تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
يعني استهانة بمسألة التوحيد الإلهي ودوره في حركة العقيدة لدى الإنسان وتأثيره على مسيرته في كل جانب ، ومدلوله الروحي في الإحساس العميق بعظمة اللَّه وجلالة قدره ، بينما يعتبر الشرك ظلما عظيما ، لا يمكن أن يغفره اللَّه في الوقت الذي يمكن أن يغفر فيه أيّة معصية أخرى ، كما ورد في أكثر من آية . ولذلك فلا يمكن للنبي أن يقوم بذلك ، مهما كانت الحالة العاطفية ضاغطة على الذات ، ولا يمكن أن ينتظر الآخرون منه أو من المؤمنين ممارسة ذلك ، لأن قصة التوحيد والشرك هي قصة الموقفين المتضادّين اللذين يمثل كل واحد منهما قاعدة للهدى في جانب التوحيد ، وقاعدة للضلال في جانب الشرك ، فلا يمكن أن يلتقيا في الحياة في موقع واحد ، ولا يمكن أن يعيشا في الذات في قلب واحد ، وهكذا ينبغي أن يكون موقف المؤمنين من المشركين
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
من خلال ما عرفوه من هذا الارتباط بين الشرك والمصير الأسود الذي ينتظر المشركين في الآخرة في نار جهنم ، مما يعني ابتعادهم عن رحمة اللَّه ورضوانه ، الذي يفرض على المؤمنين الابتعاد عن أجواء هؤلاء .

استغفار إبراهيم لأبيه

ولكن كيف نفسر موقف النبي إبراهيم عليه السّلام ، الذي حدثنا القرآن عنه في آية أخرى عندما قال لأبيه :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
[ مريم : 47 ] هل هو استسلام للعاطفة على حساب العقيدة ، وهل يمكن أن نقبل هذا التفسير في حالة إبراهيم الذي لا يمثّل مجرد إنسان صاحب عقيدة ، بل هو - إلى جانب ذلك - نبيّ صاحب رسالة يريد أن يغيّر الإنسان في الحياة على أساس انتصار الفكر والعقيدة في ذاته على الحس والعاطفة في شعوره ؟ إن