تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
بدأ اللَّه خلق الإنسان من طين ، ثم صوّره حتى تكامل خلقه إنسانا سويا يملك الصورة الجميلة والجسم المعتدل ، والأجهزة الدقيقة التي تتحرك في نظام محكم متوازن ، فتحرّك فيه العقل والإرادة ، اللّذين يستطيع من خلالهما أن يحمل مسؤولية نفسه ، ومسؤولية الكون من حوله . ولما كان خلقه بهذه الصورة الفريدة ، كان ذلك مظهرا لقدرة اللَّه وعظمته ، فأراد اللَّه أن يمنحه الكرامة ، ويحمّله المسؤولية ، ويظهر لملائكته ما في هذا المخلوق من عناصر الإبداع ومظاهر القدرة ،
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
تحية له ، وتعظيما للَّه الذي خلقه . ولم يكن ذلك سجود عبادة له ، لأن اللَّه لا يرضى لخلقه أن يعبدوا غيره ، فكيف يتعبّدهم بذلك ؟ ! بل كان سجود عبادة للَّه وتحية لآدم
فَسَجَدُوا
. واستجاب الملائكة للأمر الإلهي ، لأنهم عاشوا العبودية له كأفضل ما تكون ، فليس بينهم وبين الانقياد إلا أن يصدر إليهم الأمر أو النهي ، لأن ذلك هو شأن العبد مع مولاه ، فلا تساؤل ولا اعتراض .
إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
وكان إبليس يعيش مع الملائكة ، ولكنه لم يكن منهم ، بل كان من الجن ؛
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[ الكهف : 50 ] ورفض السجود ، وتمرّد على اللَّه . . وخاطبه اللَّه بلهجة الإنكار ،
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
؟ ! هل هناك غموض في طبيعة الأمر ، أو هناك تصور بعدم شمول الخطاب له ؟ لا شيء من هذا وذاك ، لأن الأمر واضح في شموله للمجتمع كله ، ولكن إبليس كان يعيش في واد آخر ، فقد كانت عنصريته تمنعه من أن يتنازل لعنصر آخر ، وكان هاجسه ذاته لا ربه ، فهي كل شيء بالنسبة إليه ، أما علاقته باللَّه ، فإنها تخضع لعلاقته بأنانية نفسه ، فإذا ابتعدت عن تأكيد ذلك منه ، ابتعد عنه ؛ وهكذا كان جوابه :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
، فكيف يسجد الأعلى للأسفل ، والأفضل للمفضول ، فعنصري أقوى من عنصره وأرفع درجة ؛
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
فأنا مخلوق من النار وهو مخلوق من الطين ، والنار تفني الطين ، فكيف أتواضع له ؟ !