وقد أراد اللَّه لهذا الكتاب أن يكون وسيلة ثقافية وروحية للاقتناع بيوم القيامة ، وهو اليوم الذي يلتقي الناس فيه اللَّه في لقاء روحي مباشر يستمعون إلى كلامه إليهم وحديثه معهم وحسابه لهم ، مما لم يحدث في الدنيا ، لا سيّما أن الآخرة تمثل نهاية المطاف وغاية النهاية في مواجهة المصير بعيدا عما كانوا يعيشونه في الدنيا من التجاذب بين خط اللَّه وخط الشيطان ، والخير والشر ، والحق والباطل ، ليلتقوا بالحق الذي لا باطل معه ، والخير الذي لا شر معه ، ولينفتحوا على اللَّه الذي لا مجال لحركة الشيطان عنده عندما ينطلق النداء : لمن اليوم ؟ للَّه الواحد القهار .
وعلى ضوء هذا فليس المراد من اللقاء باللَّه اللقاء الحسّي لأن اللَّه لا تدركه الأبصار ، ولكنه اللقاء بالمعنى الذي ذكرناه ، وهو اللقاء الروحي المباشر من خلال الإطلالة الإلهية على عباده في ذلك اليوم بطريقة تختلف عن إطلالته عليهم في ما مضى من حياتهم في الدنيا .
وربما كان المراد به مشاهدتهم للثواب والعقاب في يوم القيامة ، وهو لا يخلو من خفاء من خلال سياق التعبير .
أمّا التركيز على هذا الإيمان بلقاء اللَّه باعتباره هدف الرسالات ، فلأنه يفتح للإنسان الآفاق الواسعة للمسؤولية في أقواله وأفعاله وعلاقاته ومواقعه في هذه الحياة باعتبار أن اليوم الآخر هو اليوم الذي يواجه فيه نتائج المسؤولية بشكل حاسم ، فلا يجد هناك إلّا الحقيقة الإلهية التي لا مجال لأي شك فيها ، حيث يواجه مصيره المحتوم في الجنة أو النار .
ولولا الإيمان باليوم الآخر من خلال الإيمان باللَّه لما انطلقت الدوافع الخيّرة الطاهرة ، والالتزامات المنضبطة الحاسمة وفق المبادئ والقيم الروحية والأخلاقية التي تحكم حركة الفرد والمجتمع ، وهذا هو مبعث الاهتمام به في تقرير العقيدة كأساس للقاعدة التي ترتكز عليها .
من وحي القرآن — صفحة 383
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٣٨٣