والمفاهيم التي أؤمن بها ، لا أمر لي مع أمره ، ولا حكم مع حكمه ، بل له الأمر كله ، والحكم كله ، ولكن كيف تكون حاكمية اللَّه في الحياة ؟ هل تطرح كشعار يتلاقفه الطامحون ، ليعطوا لأنفسهم صلاحية الحكم باسم اللَّه كممثلين له على الأرض في ما يقولون ويدّعون ويخترعون من أفكار ، وفي ما يصدرون من أوامر ونواه . . كما يحدث في كثير من أدوار التاريخ ؟ أم هل تواجه كل حلٍّ واقعيّ للمشاكل الحياتية عندما يتقاتل الناس أو يتخاصمون بكلمة لا حكم إلا للَّه » ، لتمنع أيّ نوع من أنواع التحكيم بينهم ، لأنهم يعتبرون حكم اللَّه شيئا معلقا في الهواء ، أو في الفراغ ، فلا حقّ لأحد أن يجتهد في تطبيقه أو تحريكه في حياة الناس ؟
وتأتي الفقرة الثانية من الآية ، بالجواب :
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا
فلم يترك المسألة فوضى يتلاقفها كل إنسان من خلال مطامحه وأحلامه ، ولم يبعدها عن متناول الإنسان ، لتبقى معلّقة في الفضاء ، بعيدة عن متناول يده ، بل أنزل الكتاب مفصلا ، يحدّد فيه كل صغيرة وكبيرة ، ويوضح فيه الأسس التي تتحرك من خلالها القضايا ، وترتكز عليها الأمور ، في ما نريد أن نعرفه ونلتقي فيه من شؤون الحياة .
ووزان هذه الفقرة من الآية وزان قوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] وهنا يتحوّل الأسلوب القرآني إلى الحديث عن هذه الحقيقة ، من خلال الذات الإلهية ، بأسلوب المتكلّم ، ليؤكد لنا أن اللَّه لم يفرّط في شيء ، بل جاء به مفصّلا شاملا ، لكل ما يحتاجه الناس فلا مجال للرجوع إلى غيره في أيّة قضية مما يختلف عليها الناس ، فبإمكانهم أن يرجعوا إليه ليحدّد لهم الأشخاص الذين يمثلون خطّه ورسالته ليحكموا في ما بينهم بما أراد اللَّه ، وليبيّن لهم القواعد التي يرجعون إليها في تحديد تفاصيل الحياة . . وهكذا يقف الناس مع حاكمية اللَّه في حاكمية رسله وأوليائه ، وفي حاكمية دينه وشريعته التي أنزلها اللَّه على رسله .