الناس تعيش في أجواء الكفر ، ولكنها لا تجد القيادة التي تستفيد من هذه الأجواء من أجل الحصول على نتائج كبيرة ، ولا تجد الظروف الموضوعية التي تنمّي فيها قابلية الانطلاق . . فتقف في الظل طويلا تتطلع إلى الفرص القادمة . فإذا جاءها ذلك كله ، تحوّلت إلى حركة قويّة متمرّدة ، في ما تسمع وفي ما تؤيّد وفي ما تعمل . . وتلك هي سنّة اللَّه في الحياة . . في ما أراده من تنظيم للكون في أن يمارس الإنسان عملية الإرادة من موقع الحريّة . .
وأن تتحرك الحرية في الأجواء التي تحمل في ساحاتها فرص الهدى . .
وفرص الضلال .
خلق الإرادة الحرة في الإنسان
أمّا كيف يجعل اللَّه لكل نبيٍّ عدوّا ، وكيف ينسجم ذلك مع فكرة الحريّة ، فهذا حديث قد كررنا الإشارة إليه ، في ما ألمحنا إليه وأوضحناه ، في هذا التفسير ، من أن اللَّه عندما يتحدث عن نسبة أيّ فعل من أفعال الخير أو الشر إلى ذاته المقدّسة . . فإنه لا يتحدث عن ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، يلغي فيه دور الإرادة الإنسانية في الفعل ، بل يتحدث عنه في الإطار العام للخلق في ما أودعه فيه من النظم الكونية والحياتية التي تتحرك في نطاق قانون السببيّة .
فلكل فعل سببه الذي لا يوجد إلّا به ، وإذا كانت الإرادة الإنسانية هي أحد أسباب وجود الفعل الإنساني ، فإنها تؤكد عملية الاختيار ولا تلغيها ، وبذلك كانت نسبة جعل الأعداء للنبي إلى اللَّه ، منطلقة من أن طبيعة الرسالة التي أرسلها اللَّه إلى الناس ، تفرض أن يكون لها أناس يؤمنون بها ، وأناس يكفرون بها ، وذلك بالنظر إلى اختيارهم الشخصي في قضية الإيمان والكفر ، مما يجعل القضية مرتبطة باللَّه من جهة ، من خلال خلقه للإرادة الحرّة في الإنسان ، وبالمكلّف من جهة أخرى ، من خلال مباشرته لعملية الاختيار ، بحريته ، وهذا الأسلوب ليس ببعيد عن عالم الإسناد المجازي في اللغة العربية .