تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦

القاعدة القرآنية في أسلوب الدعوة إلى الله

وهذه قاعدة قرآنية إسلامية للسلوك في حركة الدعوة في الحياة ، وهي القاعدة التي تريد إبعاد الجوّ العملي للدعاة عن أساليب السباب والشتائم ، في ما يخوضون فيه من صراع الفكر والفكر المضاد ، سواء في ما يختلفون فيه من تقييم للمبادئ وللمواقف ، أو في ما يتنازعون فيه من تقييم لرموز أو أشخاص ، فلم ترد لهم أن يتحدثوا بهذه اللغة ، لأن ذلك يجرّ إلى ردود فعل تضع الموقف في نطاق المهاترات ، وتبعده عن أجواء الحوار الهادىء الموضوعيّ الذي يوحي للفكر بالتأمل ، وللقلب بالانفتاح ، وللمشاعر بالصفاء ، وينتهي الأمر بهم إلى الفراغ والضياع . وقد تحدثت الآية عن هذه القاعدة من خلال نموذج حيٍّ ، مما كان يبتلى به المسلمون الأولون ، عندما تتعقد في داخلهم الأزمات النفسية ، في ما كانوا يواجهونه من حقد المشركين وعداوتهم وطغيانهم ، فيجدون السبيل الوحيد للتنفيس هو أن يسبّوهم ويشتموهم ، كتعبير عن الرفض لكل ما يعبدون وما يشركون باللَّه ، وربّما أدّى ذلك إلى أن يخلق في داخل المشركين لونا من ألوان الإثارة التي توحي برد فعل عنيف ، يحاول أن يتحدّى السابّ بأقدس ما لديه ، فلا يوجّهون الشتائم إليه شخصيا بل يوجّهون الشتائم إلى ما يقدّسه في عقيدته ودينه ، مما لا طاقة للمؤمن على احتماله ، فيتحوّل إلى صدمة قاسية تهز كيانه وتستدرجه إلى الهزيمة والإحباط ، فيشعر المشركون بأنهم قد استطاعوا أن يثأروا لأنفسهم ، وينتقموا لكيانهم . وقد نستوحي من جوّ الآية ، أنّهم كانوا يسبّون آلهة المشركين ، على أساس أن ذلك يمثّل لونا من ألوان السبّ لهم ، لأن سبّ الإنسان قد يتمثل في الإساءة إلى شخصه ، وقد يتمثل في الإساءة إلى أبيه وسائر أقربائه كما قد يتمثل في الإساءة إلى إلهه ، أو الرموز التي يعظّمها ويقدّسها في دينه