كل ما قالوه وفي كل ما فعلوه ، وفي جميع الأحوال ، فإنّ النّبيّ لا يتحمّل المسؤوليّة إلّا من حيث الإبلاغ والإنذار ، فلا مسئوليّة عليه في ما انحرفوا به من القول والعمل ، إذا لم يستجيبوا له ولم يطيعوه ، ولم يقدر على تغيير ما هم فيه . وليست الآية في مقام تحميله مسئوليّة ذلك ، لأنّ اللّه يعلم أنّ الأنبياء غير مسئولين عن انحراف أمتهم في حياتهم ، فكيف يتحملون المسؤوليّة بعد وفاتهم ؟ بل كانت الآية واردة في مقام إقامة الحجة عليهم بهذا الأسلوب .
إسلام الأمر لله منتهى الروح الرسالية
وتأتي كلمة
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي
لتُثير الجدل فيها في أنّها بمعنى الموت ، أو بمعنى بلوغ الحد في الحياة على أن يكون ذلك بمعنى التوفية أي بلوغ الشيء حدّه . وقد تحدثنا عن ذلك بعض الحديث في ما قدمناه من تفسير الآية الكريمة
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ آل عمران : 55 ] ذكرنا هناك أنّ الوصول إلى نتيجة حاسمة في هذا الأمر ليس مشكلة فكريّة عقيديّة أو عمليّة ، بل نترك للّه إجمال ما أجمله مما لم يكلفنا بعلمه . وتتصاعد الروح الرسولية في إسلام الأمر كله للّه الذي بيده العفو وبيده العقاب
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
، و
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
وملكك ، تتصرف بهم كيف تشاء ، لا يملك أحد غيرك ما تملكه منهم ، فلك أن تعاقبهم على ما جنوه وفعلوه من التمرّد على طاعتك بعد إقامة الحجّة عليهم من خلال ما بلغه رسلك من رسالتك .
العفو من موقع القدرة
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الّذي لا ينتقص من عزته شيء ، في