تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
الإنسان الجاهل الّذي لا يعرف قدر نفسه ، أو الّذي يقول عن نفسه ما ليس له بحق في ما يعرفه من حدود نفسه ، ولست - يا ربّ - في هذا الموقع ، فإنّي عبدك ورسولك الّذي يعرف كيف يعيش العبوديّة لك ، وكيف يحس بالانسحاق أمام ألوهيتك ، في كل ما لك من الحقّ ، وفي ما عليّ من الحق . وماذا بعد ذلك ؟ لماذا أقف يا ربّ موقف الدفاع عن نفسي ؟ إنّه موقف الّذي يحتاج في إثبات براءته إلى بيّنة ، وليس موقفي هو هذا ، لأنّني أقف أمامك أنت اللّه الذّي
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
، فأنت
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
، وتحيط بكل شيء يفكر به الإنسان أو يقوله أو يعمله ،
وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
، لأنّ علمي مستمد من علمك ، فلا يحيط بشيء إلّا ما ألهمتني إياه ، فكيف لي الإحاطة بما في نفسك ،
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
ف
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
، وأنت تعلم أنّني لم أقل لهم شيئا من ذلك ، لأنّ ذلك هو الباطل الّذي لا يحق لي أن أفكر به ، فكيف يحقّ لي أن أقوله !
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
، لأنّى عبد ورسولك الّذي أمرته بإبلاغ رسالتك لعبادك ليعبدوك وليوحدوك ، فلا يشركوا بك شيئا ، وقد قلت لهم
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
وشرحت لهم في جميع مراحل حياتي عندما كنت معهم أنّني مثلهم عبد مربوب لك لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا بك ، وأنّني لم أفعل ما فعلته من خوارق الإعجاز إلّا بإذنك وبقدرتك ، من دون أن يكون لي فيها شيء ذاتيّ ينطلق من قدرة الذات على الإبداع ، وطلبت منهم أن يعبدوك ، لأنّ ذلك هو سرّ الاعتراف بالربوبيّة . وقد يخطر بالبال سؤال ، هل هذه الكلمة هي كل رسالة عيسى ؟ وكيف يمكن أن لا تكون هناك كلمة أخرى في الوقت الّذي كان الإنجيل يمثّل حجما كبيرا في مختلف جوانب الحياة من النصائح والمواعظ والتعاليم ؟ والجواب عن ذلك : إنّ هذه الكلمة تختصر كل تطلعات الرسالة وامتداداتها ، لأنّ العبادة للّه تتمثّل في تحرير النفس من الخضوع لكل شيء غير اللّه ، سواء كان شخصا ، أو جهة ، أو صنما ، وأن تخضع للّه في كل شأن من شؤون حياتك ، فتطيعه في
من وحي القرآن — صفحة 405 | السيد محمد حسين فضل الله