تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
إليهم حديثا عن الغيب الّذي لم يمنحهم اللّه علمه في ما منحهم من علم ،
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
لإحاطتك بالمستقبل تماما كما هو الحاضر والماضي ، وبذلك يرفعون عن موقفهم أيّة مسئوليّة في ما جرى من بعدهم ، لأنهم لا يملكون علمه ، ولا القدرة عليه ، من قريب أو من بعيد . ولعلّ هذا الوجه أوفق بمدلول الآية من الوجوه الّتي ذكرت في تفسير نفي الرسل لعلمهم بما كان عليه موقف أقوامهم ، فقد ذهب البعض إلى أنّهم خضعوا لأهوال يوم القيامة فذهلوا عن وعي القضيّة في تاريخها الواقعي عندما كانوا في الدنيا ، وذهب البعض إلى أنّ المقصود بقولهم :
لا عِلْمَ لَنا
أي كعلمك ، لأنّك تعلم باطنهم وغيبهم الّذي لا نعلمه ، وذهب بعضهم إلى أنّ المراد لا علم لنا إلّا ما علمتنا ، ونحو ذلك مما لا دلالة للّفظ عليه . ولعلّ الآية الكريمة واردة في مقام تأكيد الفكرة الّتي لا بدّ من أن يعيشها النّاس الّذين كانوا مع الرسل في واقع الدعوة الرساليّة ، ممن انحرفوا أو غيروا وبدّلوا ، ودخلت فيهم التطورات الفكرّية والمتغيرات العمليّة بعيدا عن الخط المستقيم للرسل وللرسالة ، بأنّ اللّه مطّلع على كل التاريخ الّذي عاشوا فيه ، بكل دقائقه وتفاصيله ، حاضرا ومستقبلا ، مما أحصاه الرسل في حياتهم مع أممهم ، ومما لم يحصوه مما غاب عنهم شهوده لأنّه حدث من بعدهم ، ليكون ذلك أقرب إلى وعي المسؤوليّة عند النّاس في مراقبتهم للّه في كل أمورهم لأنّه علام الغيوب . وقد ذكر صاحب مجمع البيان في كتابه قال : « ذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره أنّها تدل على بطلان قول الإماميّة إنّ الأئمة يعلمون الغيب » . وعلقّ على ذلك بقوله : « وأقول إنّ هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم ، فإنّا لا نعلم أحدا منهم بل أحدا من أهل الإسلام يصف أحدا من النّاس بعلم الغيب ، ومن وصف مخلوقا بذلك فقد فارق الدين ، والشيعة الإماميّة برآء من هذا القول ،