القيمة في الإسلام للنوع لا للكم
في القرآن الكريم أكثر من آية تتناول طرق التربية الإنسانيّة وفق المنهج الّذي تريد أن تركزه في حياة الإنسان كقاعدة عامّة للحركة . وقد كان من المنهج الّذي أراده القرآن ، أنّ على الإنسان أن يبتعد في ميزانه للأشياء في دائرة التقويم ، عن النظر إلى جانب الكمّ ، بل يجب أن يقترب من النظرة إلى الأشياء بمنظار « الكيف » و « النوع » ، لأنّ الكثرة لا تعبّر عن طبيعة الشيء في ذاته ، بل هي تعبير عن حجمه . ومن الطبيعي أنّ القيمة تنطلق من الخصائص الذاتيّة للشيء لا من الحجم الخاص به ، لأنّ تلك الخصائص هي الّتي تميّز عمق القوّة فيه وامتدادها ، بينما يمثّل الكمّ حجم المساحة . ولهذا أكد القرآن على مواجهة الكثرة في واقع الحياة في عمليّة ملاحقة للنماذج الّتي تمثّلها ، فانتهى إلى نتيجة حاسمة تقرر أنّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 187 ] ، و
لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 109 ] ، و
لا يَفْقَهُونَ
[ الأنفال : 65 ] ، وأنّ القلة هي الّتي تمثّل الإيمان والوعي والعلم والتقوى ، وأنّ القلة قد تغلب الكثرة إذا كانت الخصائص الذاتيّة للقلّة أقوى من الحجم العددي للكثرة ، وذلك من أجل تفريغ الداخل من السقوط أمام المظهر الفخم للكثرة .
وقد جاءت هذه الآية لتثير أمام الإنسان بعضا من مفردات هذا المنهج ، فهناك مفهوم الخبيث ومفهوم الطيب ، في ما يتمثّلان به في حركة الواقع في الأشخاص والأشياء والعلاقات . فهناك إنسان خبيث في نواياه السيئة ، وفي كلماته الحاقدة وأفعاله الشريرة ، وهناك إنسان طيّب في دوافعه وأفكاره الحسنة ، وفي أقو اله النافعة ، وفي ممارساته الخيرة . وهناك الطعام الطيب والخبيث في مذاقه وفي تأثيراته ، وهناك الأرض الطيبة والخبيثة في ما ينبت فيها وما يتمثّل فيها من حالة الخصب والجدب . وربّما يتنامى الخبيث ويتكاثر