لا يراد بها العفو عن الذنب ، بل يراد بها عدم العقوبة ، وربّما كانت مناسبة التعبير مرتكزة على أساس ما في هذا الفعل من مفسدة وحزازة لما يوحي به من عدم احترام حرمة الحرم ، مما يجعله شبيها بالذنب في طبيعته ، وإن لم يكن ذنبا في حقيقته ، وأمّا كلمة
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
فيبدو أنّها تأكيد لحكم وجوب الكفّارة باعتبارها لونا من ألوان الانتقام العملي في الدنيا ، بالإضافة إلى عذاب اللّه ، وذلك من أجل المقابلة بين حالة العفو وحالة الانتقام في تلخيص سريع للموضوع . ولكنّ هناك بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليه السّلام ، تعتبر الكفّارة جزاء في قتل الصيد للمرة الأولى ، وترى أنّ المرة الثانية لا تستتبع كفّارة ، بل الانتقام من اللّه الّذي يوحي بجزاء صعب كبير من خلال الإضمار الّذي يحمله التعبير ، من جهة أخرى ، ولعلّ استيحاء كلمة
وَمَنْ عادَ
يعطي هذا المعنى ، لأنّ الظاهر منها التكرار في أعلى حدوده من خلال الاستغراق في التفكير بهاتين الصفتين من صفاته
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
لأنّها توحي بأنّ قوته لا تقف عند حد ، فإنّه لا يمكن لأيّة قوّة أن تنتقص منها بشيء ، لأنّها فوق كل شيء ، وبذلك تكون صورة الانتقام قريبة من صورة العزّة .
وتعود الآية الكريمة لتتحدث عن الموضوع في سياق التحديد لما يحرم من الصيد وما يحل منه ،
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً
فقد حرّم اللّه صيد البر للمحرمين ، أمّا صيد البحر وطعامه ، فقد أحله اللّه متاعا للمؤمنين المحرمين وللقافلة ، ولعلّ ذلك جاء لأنّ اللّه يريد للإحرام أن يكون حالة من حالات السلام في ما يعيش فيه الإنسان من الأرض ليكون ذلك سبيلا من سبل تركيز روح السلام في نفس المؤمن فيمن حوله وفي ما حوله من مخلوقات اللّه . أمّا البحر فهو منطقة استثنائيّة ، لا يتمثّل فيها العدوان في الصيد ، أو لا تتمثّل فيها صورة السلام والحرب ، كما تتمثّل في مجتمع الأرض . واللّه العالم .