وإن حكمت فاحكم بالعدل
وإنّنا نرى من خلال هذه القصة - الّتي اختلف المفسرون في بعض تفاصيلها - رجوع اليهود إلى الرسول صلى اللّه عليه واله وسلّم ليتفادوا حكم التوراة بالرجم للزاني والزانية المحصنين ، وذلك لتعارض هذا الحكم مع أوضاعهم الاجتماعية القائمة على الطبقيّة المقدسة أكثر من تقديسهم لحكم اللّه تعالى ، وقد أجاز اللّه لرسوله بالحكم فيما بينهم أو الإعراض عنهم ،
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
وذلك من أجل ملاحظة بعض الاعتبارات السلبيّة في هذه القضيّة أو غيرها ،
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
لأنّهم لم يكونوا بصدد الانسجام مع الخط الّذي يريدهم أن يسيروا عليه .
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي بالعدل ، الّذي هو حكم اللّه الّذي لا يتغير في التوراة ، أو القرآن ، و
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
الّذين يحكمون بالعدل ، بعيدا عن الاعتبارات الشخصيّة والاجتماعية .
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
يستنكر القرآن لجوء هؤلاء إلى تحكيم الرسول صلى اللّه عليه واله وسلّم الّذي لا يؤمنون به ، وهم يعرفون أنّه الحكم الّذي جاءت به التوراة ، وهو حكم اللّه الّذي لا يتغير ولا يتبدل مهما تغيرت الرسالات واختلف الرسل ، لأنّه الحكم الّذي ينطلق من مصلحة الإنسان الحقيقيّة الّتي لا يدخل في حسابها اختلاف الزمان والمكان ، ثمّ يتولون بعد ذلك عن حكم اللّه ويعرضون عنه ، وهذه نقطة سلبيّة يسجلها القرآن عليهم ليقدّم للمسلمين الصورة القلقة الّتي تُمثّل واقع هؤلاء الّذين آثروا الدنيا باسم التوراة ، ليحصلوا على المواقع المتقدمة في حياة النّاس باسمها ، ولكنّهم كانوا أوّل من يتنكر لحكم التوراة عندما اختلفت مصالحهم وأطماعهم معه .