إلى المعتصم ، فجمع الفقهاء وقال ابن أبي داود : ثمّ سأل الآخرين عن الحكم فيهم ، وأبو جعفر محمّد بن علي الرضا الجواد حاضر فقالوا : سبق حكم اللّه فيهم في قوله :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
ولأمير المؤمنين أن يحكم بأي ذلك شاء فيهم ، فالتفت إلى أبي جعفر عليه السّلام ، فقال له : ما تقول في ما أجابوا فيه ؟ قال : قد تكلم هؤلاء الفقهاء والقاضي بما سمع أمير المؤمنين ، قال : وأخبرني بما عندك . قال :
إنّهم قد ضلوا في ما أفتوا به ، والّذي يجب في ذلك أن ينظر أمير المؤمنين في هؤلاء الّذين قطعوا الطريق ، فإن كانوا أخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا أحدا ولم يأخذوا مالا ، يأمر بإيداعهم الحبس ، فإنّ ذلك معنى نفيهم من الأرض بإخافتهم السبيل ، وإن كانوا قد أخافوا السبيل وقتلوا النفس وأخذوا المال أمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وصلبهم بعد ذلك ، فكتب إلى العامل بأن يُمثل ذلك فيهم » .
والظاهر من هذه الرّواية أنّ الإمام محمّد الجواد عليه السّلام يفسر النفي من الأرض بإدخالهم السجن بما يوافق أبي حنيفة وأصحابه ، ولعلّ الوجه في ذلك أنّ النفي من الأرض يعني إخراجهم من الأرض الّتي يتحركون فيها ، وهذا مما يتحقق بالحبس باعتبار أنّه يمثّل إبعاد الإنسان عنها ، فلا يراه أحد فيها ولا يرى أحدا فيها . ولكنّ الرّواية - على الظاهر - ضعيفة لمعارضتها بما دلّ على أنّ المراد بالنفي الإخراج من البلد إلى بلد آخر ، كما أنّ هذا التفسير خلاف الظاهر ، إذ المتبادر من النفي من الأرض إبعاده عنها بإخراجه منها من حيث الأساس ، واللّه العالم .
أمّا طريقة ثبوت التوبة - الّتي هي الندم على الجريمة والعزم على الترك في المستقبل - فلا بدّ من الاعتماد فيها على وسائل الإثبات في أمثال هذه الأمور ، ويتحقق ذلك بشهادة عدلين على إعلان التوبة من المحارب أو المفسد