تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
المراد بالكتابة هنا أنّ اللّه قد وعد بني إسرائيل بعد خلاصهم من فرعون أن يسكنهم أرضا يستطيعون الحياة فيها بكرامة على أساس من الإيمان والطاعة للّه ورسله ، ولهذا فإنّ العرض الّذي قدمه موسى عليه السّلام إليهم هو أن يدخلوها ويجاهدوا القوم الجبابرة الكفرة الموجودين فيها بصفة الحكّام ، من موقع إقامة حكم اللّه في الأرض على أيدي المستضعفين في مواجهة الجبارين . وليس في الآيات ما يدل من قريب أو من بعيد على حقّ قانونيّ إلهيّ لهم في هذه الأرض ، وبذلك يكون معنى الكتابة التقدير بأن يدخلوها ويسكنوها ويعبدوا اللّه فيها من خلال ما تمثّله من معاني القداسة المتصلة بالأجواء العباديّة الروحيّة . وربّما يتساءل البعض عن الجمع بين إرادة اللّه لهم باستيطانهم الأرض المقدسة وتحريمها عليهم أربعين سنة . والجواب : إنّ الحديث - في الآية - لم يحدد وقتا ولا جماعة معينين ، بل كان الحديث عن الأمة وعن المستقبل من حيث المبدأ وذلك باعتبارها المنطقة الّتي أراد اللّه لهم الاستقرار فيها بعد خروجهم من مصر وانتهاء فترة التيه الّتي كانت عقوبة لهم . واللّه العالم . 5 - نستوحي من هذه الآيات فكرة تربية الأمة على أساس ينسجم مع الآفاق والأفكار الّتي تحملها القيادة أو تعيشها ، وصولا إلى تحقيق الأهداف والغايات الكبيرة . فقد كانت مشكلة النبيّ موسى عليه السّلام أنّه يقود أمّة لا تؤمن بأفكاره ، ولا ترتفع إلى مستوى أهدافه ، بل كانوا يفكرون بالأمن والاسترخاء والراحة ، ولو على حساب مبادئهم ، بينما كان موسى يفكر بالحياة في حجم الرسالة ، وهذا هو ما تعانيه الشعوب الإسلاميّة بفعل تزوير أفكارها وتصوراتها للواقع ، وتربيتها على أساس الارتباط بحاجاتها اليوميّة واعتبارها الهمّ الكبير لها ، وابتعادها عن كل القيم الروحيّة الكبيرة الّتي تحتضن كل مصالحها الحقيقيّة المستقبليّة كأمة تعيش مرفوعة الرأس بين الأمم ، وبذلك تحوّلت إلى شعوب مستعمرة للكافرين والمستعمرين والظالمين من كل الأمم ، في أجواء
من وحي القرآن — صفحة 121 | السيد محمد حسين فضل الله