تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
الدوافع لبناء البيت روحية إنسانية ، فإن العمل الصغير - حينئذ - يعبّر عن شخصية كبيرة ، تنطلق - في حركتها - من الأهداف الكبيرة السامية ؛ أمّا العمل الكبير ، فإنه ينطلق من شخصية صغيرة ترتبط بالأشياء الصغيرة الحقيرة في الحياة ، لأن العمل الذي يرتبط بالإنسان ، يأخذ شيئا من داخله ، ويكتسب صفة إنسانية في مضمونة ؛ وبذلك تتحدد قيمته بمقدار ما يحمل من معنى الإنسانية في طبيعته ، في مضمونها الروحي والأخلاقي . . . وفي ضوء ذلك ، يمكننا أن نقرر نظرة الإسلام إلى العمل كقيمة إنسانية روحية ، لأن اهتمام الإسلام في تشريعه يتركز على الاهتمام ببناء الإنسان في روحيته وتفكيره وإنسانيته من حيث ارتباطها باللَّه ؛ ولذلك اختلف الثواب على العمل حسب اختلاف المعنى الذي يكشف عنه ؛ فهناك فرق بين العمل الصادر عن رياء والعمل الصادر عن غير الواعي من موقع مستواه ، وهناك فرق بين العمل الصادر من أجل القرب إلى اللَّه ، وذاك الصادر للقرب من إنسان . وهكذا تتصل القيمة بالمضمون ، ولا تتصل بالشكل . وعلى هذا الأساس ، فقد يكون العمل الصادر عن هؤلاء الناس غير المؤمنين كبيرا من حيث الحجم والنوعية والنتائج كحقيقة موضوعية ، ولكنه لا يحسب في هذا المستوى في نظرة الإسلام ، إذا كانت الدوافع مزاجية أو مصلحيّة أو بعيدة عن اللَّه في الجوانب الأخرى ، فلا يستحق عليه ثوابا ، لأنه لا يحمل أيّ معنى روحيّ أو إنسانيّ كبير ، عندما يبتعد عن قاعدة الإيمان التي تحرك العمل في اتجاه المعاني الروحية الكبيرة التي ترتبط باللَّه . وقد ذكر بعض الباحثين من الفقهاء ، أن اللَّه قد يثيب الإنسان على العمل الخيّر في ذاته ، إذا قام به الإنسان بدافع حبّه للخير ، وإن لم يقصد القربة إلى اللَّه فيه ؛ ولكننا نعلّق على ذلك ، بأن الإيمان هو الذي يجعل الخير حالة ذاتية للإنسان ، من خلال ما يختزنه الإنسان - ولو بطريقة لا شعروية - من مشاعر الإيمان وإيحاءاته ، مما يجعل نيّة القربة إلى اللَّه مخزونة في وعي الإنسان
من وحي القرآن — صفحة 478 | السيد محمد حسين فضل الله