تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩

عدم الاختلاف في القرآن دليل على صدوره من اللَّه تعالى

وهذا دليل على أن القرآن من عند اللَّه وليس من كلام البشر ، لأن غير اللَّه يخضع في كلامه لحالات مختلفة ، في حياته المادية والمعنوية ؛ وقد يترك ذلك اختلافا كثيرا في ما يصدر عنه ، فقد يكون له في هذا اليوم فكر يختلف عن فكره في اليوم الآخر ، وقد يكون له موقف في بعض الحالات الطارئة يختلف عن الموقف في حالة أخرى . . . أما اللَّه سبحانه فإنه الذي يحيط بالأشياء من جميع جوانبها ، فلا يختلف أمره في حال عن حال ، ولا تشتبه عليه الأمور ، لأنه خالق كل شيء ،
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الملك : 14 ] ، ولذلك فلا يمكن لكلامه أن يكون موضعا للاختلاف والتنافر والتنافي ، بل هو الذي يصدق بعضه بعضا ، ويفسّر بعضه بعضا ، ويبين أوله آخره ، وآخره أوله ، وبهذا ينبغي لنا أن ندرس القرآن ونتدبّره ، فنلاحظ أنه نزل في حالات متباينة وأوضاع مختلفة ، في السفر والحضر والسلم والحرب . . . وتعرّض لأكثر من موضوع وقضية ، بل ربما يتحدث عن القضية الواحدة أكثر من مرة ، في أكثر من مناسبة . وامتدت عملية التنزيل إلى مدى ثلاث وعشرين سنة ، هي عمر النبي الرسالي ، فلم تختلف فيه آية عن أخرى ، ولا مفهوم عن آخر ، مما يدلنا أنه كلام اللَّه الواحد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ولكن لا بد من التدبر فيه والتعمق في مداليله ، لئلا يتوهم القارئ الاختلاف في ما ليس فيه اختلاف ، كما يحدث للإنسان الذي يقرأ بعض الآيات التي ظاهرها الجبر ، في مقابل بعض الآيات التي يظهر منها حرية الاختيار ؛ أو الذي يقرأ