تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
من الناس ، فإن المبدأ لا يقف عندها ، بل يمتد إلى كل النماذج التي تحاول أن تجعل لنفسها امتيازا على الناس الآخرين ، من خلال الخصائص القومية والإقليمية واللونية والنسبية . وربما نستوحي من ذلك امتداد الموضوع إلى أبعد من هذا ، فنلتقي بالأفراد الذين يرون لأنفسهم بعض الامتيازات التي تسمح لهم بالاستعلاء على الآخرين . إن الآية ترفض ذلك كله ،
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ
فلا امتياز لأحد على أحد إلا من خلال الميزات الحقيقية في العلم والعمل وغيرها من صفات الذات ، مما يعلمه اللَّه ويعلم مواضعه ،
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
وبذلك فإن اللَّه هو الذي يزكي من يشاء ، لأنه هو الذي يعلم واقع الأشياء في العمق والامتداد ؛ فقد يكون لبعض الأشخاص صفات لا يملكها الآخرون ، ولكن ذلك لا يبرّر لهم الشعور بالامتياز ، لأن هؤلاء الآخرين قد يملكون من الصفات المميزة ما لا يملكه هؤلاء الأشخاص ؛ فإن اللَّه لم يجمع كل الميزات بشكل مطلق في فرد أو شعب أو عنصر أو أمة دون سائر الأفراد أو الشعوب أو العناصر أو الأمم ، بل اقتضت حكمته - سبحانه وتعالى - أن يعطي لكل أمة خصائصها التي يمكن أن لا تكون موجودة عند أمة أخرى ، والأمر بالعكس لدى هذه الأمة ، وعلى هذا الأساس فإننا لا نعتبر أن هناك أمة أعلى من أمة أخرى ، بل إن المبدأ القرآني هو الذي عبّرت عنه الآية الكريمة
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
[ الحجرات : 13 ] . وبذلك لا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ، بل يحاول أن يقوم بواجبه في تنمية صفاته الطيبة ومواقفه العملية المميزة ، ليقف بين يدي اللَّه من موقع خصائصه الذاتية الحقيقية ، لينال تزكيته ورضاه ، وليحصل على نتائج عمله ؛
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
فإنّ اللَّه لا يظلم الناس من أعمالهم شيئا ، ولو بمقدار الفتيل الذي هو عبارة عمّا يكون في شق النواة ، أو بطنها ، أو النقطة التي تكون عليها ، بل ربما نفهم من جو الآية ، أن على الإنسان أن يتواضع في