فقد خلق اللَّه الإنسان ضعيفا في بدنه ، ضعيفا في طاقاته ، وذلك لما أودعه اللَّه فيه من الغرائز التي قد تثير فيه نقاط ضعف كثيرة ؛ ولم يرد اللَّه له أن يستسلّم لها في عملية سقوط وانهيار ، بل أراد له أن يرتفع إلى مستوى القوة ، ولكن من خلال الوسائل الواقعية التي تثير فيه الإحساس بالقوة بطريقة تدريجية ، من الأعمال والتكاليف والأجواء التي لا تثقل عليه ولا توقعه في الحرج ، ولا تبلغ به حد العسر ، ولا تحمّله ما لا طاقة له به ، بل تخفّف عنه وتربطه باليسير من التكاليف ، والخفيف من الأعمال ، ليشعر بأن المسؤولية ليست شيئا ثقيلا ينوء تحته ، بل هي شيء يتناسب مع طاقاته وينسجم مع الطبيعة الإنسانية لنقاط ضعفه . وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة ؛
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
. ومن خلال هذا الاستيحاء للآية ، نستطيع أن نواجه الفكرة الخاطئة التي يحاول البعض أن يفهمها من هذه الآية ، وهي أن القرآن الكريم يعمل على أن يعمّق إحساس الإنسان بالضعف ، ليشعر بالانسحاق في إنسانية تحت وطأة الشعور بضعفه ، مما يعطل فيه إرادة القوة ، ويشلّ فيه طموحه الكبيرة الأفق الواسع الذي يتسع لمواهبه الإنسانية الكبيرة التي تخاطب الحياة كلها .
إن خطأ الفكرة يكمن في أن صاحبها لم يدرس أجواء الآية ، التي انطلقت لتوحي بأن التشريع راعى في عملية التخطيط للإنسان ، في ما يريده له من هدى وقوة ، هذا الجانب الذي تتوزعه نقاط الضعف ؛ ولهذا فقد خفف عنه ليستطيع الوصول إلى طموحاته في القوة والانطلاق بطريقة واقعية تتناسب مع طاقاته وإمكاناته .