تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
في الآية الأولى بيانا للمنهج الذي وضعه اللَّه لعباده ؛ من أجل أن تتكامل لهم المعرفة والهداية والسير على الخط المستقيم ، بعيدا عن كل المقارنات والمعادلات في ما حولهم ومن حولهم . . . أما في هذه الآية ، فقد جاءت لتدخل الإنسان في عملية موازنة ومقارنة ، في ما يواجهه الإنسان من العناصر الشريرة المنحرفة التي تريد أن تضله وتبعده عن اللَّه ؛ ليوازن بين ما يريده اللَّه له وبين ما يريده له الآخرون ؛ فإن اللَّه يريد أن يبلغ بالإنسان إلى الدرجات العليا التي يحصل بها على رضا اللَّه تعالى ، من خلال ما تعنيه كلمة التوبة من مقدمات ونتائج .
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً
فليس لهؤلاء قاعدة أساسية ثابتة في فكر الإنسان وروحه وضميره ، وليس لهم هدف كبير في حياتهم يسعون إليه ، ليكون لهم - من خلال ذلك - المستوى الذي يجعلهم موضع ثقة الآخرين ومحل اعتمادهم ، بل كل ما هناك أنهم يعيشون للجانب الحسي الحيواني في حياتهم وحياة الآخرين ؛ فالحياة عندهم لذة وشهوة ، والإنسان عندهم كائن ذو شهوات ، والمبادئ لديهم تتلخص في العمل على الوصول إلى الارتواء من ينابيع الشهوات ما أمكنهم ذلك . وهكذا اختصر القرآن ذلك كله بقوله
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ . . .
، فهي القبلة التي يتوجهون إليها في كل تطلعاتهم ومشاعرهم . وإذا كانت الشهوات هي التي يتبعونها ويقودون الناس إليها ، فإن الغاية التي يستهدفونها هي أن يميل الناس عن الخط الصحيح المستقيم ميلا عظيما ، لأن الشهوات لا تخضع لميزان دقيق متوازن ، يحفظ للإنسان مصلحته الحقيقية في خط الاستقامة ، بل إنها تنخفض وترتفع تبعا للأجواء الحسية المحيطة بمشاعر الإنسان ونزواته ، مما يؤدي به إلى أن يفقد توازنه ويميل نحو الهاوية - التي تنتظره - ميلا عظيما . وماذا بعد ذلك ؟ إن القرآن يتابع الخط الإلهي الذي ينطلق فيه التشريع ،