فيه ، والبيئة التي ترعرع فيها ، مما يجعل المؤثرات التي تدفعه إلى ممارسة الخطأ والخطيئة ضاغطة على إرادته بالدرجة التي لا يصدر العمل منه عن اختيار ، فإن الأب والأم والأقرباء والمدرسة والمجتمع والمناخ ونحوها تترك تأثيراتها في عناصر شخصيته فيتحرك من خلالها حركة لا إرادية ، ويبتعد بسببها عن خط الاستقامة ، لذا كيف يحكم عليه بالإساءة وكيف يتصف فعله بالذنب ليحتاج بذلك إلى التوبة التي تخلصه من غضب اللَّه وعقابه ، وكيف يعاقبه اللَّه على ما لا خيار له فيه ؟
وإجابة عن ذلك نقول ، لا ريب أن للبيئة تأثيرا كبيرا على شخصية الإنسان ، وعلى طبيعة عناصره التي تمثل نقاط الضعف فيه ، ولكن البيئة لا تشل إرادته ، ولا تغلق عقله ، ولا تمنعه من حرية الحركة في مواجهة الأفكار ، والخيارات الأخرى ، التي يمكن أن تحرك فكره وتهز قناعاته وتدفعه إلى البحث والحوار مع الآخرين ، مما يمكنه من تجاوز المؤثرات البيئية إلى قضايا أخرى ، فيملك القدرة - بذلك - على الاختيار ويتحرر من ضغط الواقع .
وقد رأينا في صعيد الواقع أن هناك الكثير من الناس الذين عاشوا في بيئة صالحة تحوّلوا بفعل مؤثرات خارجية إلى أشخاص شريرين ، كما أن هناك الكثيرين من الذين عاشوا في بيئة فاسدة تحوّلوا بفعل التفكير الحرّ والحوار الهادف إلى أناس خيّرين ، بل رأينا البعض من هؤلاء الناس يتحركون للضغط على ظروفهم وتغيير الأوضاع من حولهم ، وتلك هي حركة الطليعة الواعية التي تنتج من الواقع الفاسد واقعا صالحا ومن قلب اليأس أملا ، ومن تهاويل الحزن فرحا كبيرا .
وإذا عرفنا أن اللَّه خلق للإنسان عقلا متحركا لا يتجمد في حال بل ينفتح على أكثر من أفق رحب ، فإننا نعرف من خلال ذلك ، أن العقل هو
من وحي القرآن — صفحة 155
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص١٥٥