الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية ، وذلك أنه
لما مات نعاه جبرائيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في اليوم الذي مات فيه ، فقال رسول اللّه : اخرجوا فصلّوا على أخ لكم مات بغير أرضكم . قالوا : ومن ؟ قال : النجاشي ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة ، فأبصر سرير النجاشي وصلّى عليه ،
فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني حبشي لم يره قط وليس على دينه ؛ فأنزل اللّه هذه الآية ، عن جابر بن عبد اللّه ، وابن عباس ، وأنس ، وقتادة .
وقيل : نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب واثنين وثلاثين من أرض الحبشة ، وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، عن عطاء . وقيل : نزلت في جماعة من اليهود كانوا أسلموا ، منهم : عبد اللّه بن سلام ومن معه ، عن ابن جريج ، وابن زيد ، وابن إسحاق .
وقيل : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم لأن الآية قد تنزل في سبب وتكون عامة في كل ما تتناوله ، عن مجاهد « 1 » .
ولعلّ الرواية الأخيرة ، أو الرأي الأخير ، هو الأقرب إلى الجوّ القرآني في الآية ، لأن الحديث عن أهل الكتاب يمثل الحديث العام المتحرك في ساحة الواقع الديني الذي كان الإسلام يعيش فيه باعتبار أنهم الفريق الآخر المعترف به إسلاميا في المجتمع المسلم ، بحيث إن الإسلام يعمل - في تشريعه أو في حركته - على توحيد الأسس الإيمانية بينه وبين أهل الكتاب ، وذلك على أساس الكلمة السواء في توحيد اللّه ، وفي ضوء ذلك كانت التجربة الإسلامية في خط الدعوة والحوار تنفتح على جماعة هنا وجماعة هناك من أهل الكتاب يؤمنون بالإسلام من خلال البراهين الموجودة عندهم ، كما أن هناك منهم من يعيشون العقدة الفئوية التي لا تريد التنازل عن موروثاتها وامتيازاتها فتبقى في ساحة التحدي تواجه النبوّة في عقائدها ومفاهيمها وأحكامها ومناهجها .
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 916 - 917 .