تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
إلى اللّه القويّ القادر ، ولهذا كان ردّ فعلهم على هذا التحدي مزيدا من التصعيد في حركة الإيمان في الداخل ، لأن المؤمن يعيش الانتماء إلى اللّه والاعتماد عليه واللجوء إليه في حالات التحدي بالمستوى الذي يملأ نفسه بالقوّة ، ويفرّغ داخله من كل مشاعر الضعف التي تهزم مواقفه . . . وبذلك يزداد إيمانا في فكره وشعوره ، لأن التجربة الصعبة لدى الواعين من المؤمنين لا تضعف الإيمان بل تنمّيه وتقوّيه ، وتربطه بالأسس الثابتة التي ارتكز عليها وانطلق منها في ما يتحسسه من حركة الإيمان في خطّ الواقع ، وفي ما يعانيه من ارتباط التجربة بقضايا الإيمان . وهناك نقطة أخرى ، وهي أن التحديات الكافرة كلما كبرت كلّما كانت دليلا جديدا على مستوى الخطورة التي تمثلها حركة الإيمان ضدّ الكفر ، مما يمنح المؤمن شعورا بقوّة الموقف في قوّة الإيمان ، لأنّ ردّ الفعل في حركة الكفر في ما يمثله من أساليب العدوان لا يدلّ على قوة في الموقف ، بل يوحي بحالة الضعف التي تدفع إلى التشنّج والانفعال العدواني . وفي هذا الموقف يشعر المؤمنون أن عليهم مواصلة الفعل من مواقعهم القويّة ، ليرتفع مستوى الحركة إلى أعلى ما يستطيع العاملون أن يبلغوه . وهذا هو وحي القرآن في تصويره لهذه الروح الفاعلة الصاعدة :
فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فقد وازنوا بين قوّة هؤلاء الناس الذين جمعوا لهم ، وعرفوا أن قوّتهم لا تملك عمقا ذاتيا في حسابات القوة ، ولا تملك امتدادا في التأثير ، لأنها محدودة في ذاتها وفي أثرها . . . وبين قوّة اللّه المطلقة التي تمنح القوّة كما يشاء وتسلبها كما يشاء ، وحدّدوا موقفهم على هذا الأساس ، فاختاروا الارتباط بالمطلق ولم يخضعوا للمحدود ؛ فشعروا بالكفاية باللّه ، فهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، وهو الوكيل عن عباده المؤمنين في ما يقوم به من حمايتهم وحفظهم من كلّ سوء . واستجاب اللّه لهذا الإيمان
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
، وردّ اللّه كيد الأعداء إلى نحورهم ، فتراجعوا أمام حالة الاستعداد