تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
فليست المسألة عقلائية يتحرك بها منطق العقل ، فإن المسلمين قد وقفوا في موقع غير مناسب لحركة المعركة ، ونقطة غير ملائمة . ومهما كان المعنى ، فقد كان موقفهم موقف الاعتذار والتعلل بالأعذار الواهية التي تبرر تخلّفهم حتى لا ينكشف أمرهم في نفاقهم الداخلي ، فلم تكن المسألة كما تصوروها أو شرحوها ، بل كانت حربا حقيقية انتصر المسلمون في بداياتها من خلال أخذهم بأسباب النصر ، مما يوحي بأن توازن القوى كان لمصلحة المسلمين ، فلم ينهزموا من قلة عدد أو من عدم توازن الموقف والموقع ، بل كانت هزيمتهم من مخالفتهم للخطة الموضوعة ، واندفاعهم في الطمع الدنيوي الذي دفعهم إلى التخلي عن مراكزهم الحيوية .
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
إذ ظهرت حقيقتهم في ارتباطهم بواقع الكفر ، وذلك من خلال موقفهم وكلامهم التبريري الذي يفصح عن عقيدتهم المنحرفة ، لأنه لا ينطلق من حجّة مقبولة ، وواقع معقول ، فكانوا - مع الكافرين - في الموقع والموقف ، بينما كانوا - في الماضي - أقرب إلى المؤمنين في مواقف الإيمان التي كانوا يتظاهرون بها خداعا ونفاقا ،
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
فهم يتكلمون كلام المؤمنين ، ويعتقدون عقيدة الكافرين ، فلا يتجاوز إيمانهم مخارج الحروف في أفواههم ، فليس للقلوب حصّة منه ، وذلك هو شأن المنافقين الذين يظهرون غير ما يبطنون ، أما المؤمنون فهم الذين تلتقي الكلمة عندهم في اللسان بالإيمان في الجنان ، والقرآن في ذلك يؤكد هويتهم الحقيقة . فليست القضية لديهم قضية الانحراف العملي ، بل هي الانحراف في العقيدة ، لأن كلمات الإيمان وأساليب التبرير التي يبررون بها مواقفهم لا تمثل الواقع الداخلي عندهم ، فهي مجرد كلمات لا تعبّر عما في النفس من قريب ولا من بعيد ، فإن اللّه يعلم ما يكتمون في قلوبهم من كفر ونفاق .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
لأنه المطلع على أسرار خلقه ، فلا يخفى عليه شيء مما يبطن هؤلاء المنافقون في قلوبهم ويكتمونه عن الناس . ويتابع هؤلاء المنافقون عملية الإيحاء بالأفكار السلبية التي تملأ نفوس