تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
إثارة النوازع والعصبيات القديمة من خلال الرواسب الكامنة في الأعماق ، مما قد يعيد للماضي في نفوسهم ضراوته وشدته . فإن وعي الأمة للواقع من خلال المبادئ العامة يمنح التحرك في نطاق العلاقات قوة كبيرة وامتدادا عميقا نحو الهدف الكبير الشامل . . . وهذا ما أراد اللَّه للأمة أن تعيه جيدا لتفهم أن الحالة الماضية كانت تضع المجتمع على حافّة الهاوية التي تشتعل وتتأجج بالنار التي تحرقهم في الدنيا والآخرة ، وأن المسيرة الجديدة في خطة العقيدة الجديدة تعتبر عملية إنقاذ من ذلك كله ، ليعيش الناس روحيّة الجنّة في علاقاتهم ومصيرهم . . . وتختم الآية الحديث بالإشارة إلى أن هذه هي آيات اللَّه التي يريد منها أن يضع للأمة العلامات الواضحة البيّنة على مفارق الطريق في مسيرة الحق أو الباطل ، لتكون الهدى للناس عندما تضيع الخطوط أمام الرمال المتحركة التي تخفي عن الناس معالم الطريق ، ويريد للناس أن يجدوا الهدى في خطواتهم العملية التي تحوّل الفكرة إلى موقف ، وتركّز الموقف على أساس التقوى والإيمان . إن الآية تعود إلى الحديث عن الاعتصام باللَّه ، ولكن بأسلوب آخر ، وهو الاعتصام بحبل اللَّه ، لأن القضية التي تعالجها هذه الآية ليست قضية المسلم الفرد في ما يلتزم به ويحقق له سلامة المصير الفردي ، كما هو الحال في الآية السابقة ، ولكنها قضية المسلمين في حياتهم الاجتماعية ، في وحدتهم وتضامنهم على الخط الواحد ؛ ولهذا كان الحديث ينطلق في ما تتمثل به هذه الوحدة التي يرتبط بها الجميع ، أو يراد للجميع أن يعيشوا روح الارتباط بها من ناحية عملية لا من ناحية فكريّة مجرّدة ، لأن الاقتصار على الجانب الفكري الذاتي لا يوحي بوحدة الحركة أو الموقف في كثير من الحالات ، بل يبقى مجرد حالة فكرية توحي بالتعاطف والتلاقي في مجال الحوار والتأمّل ، ولذلك كان لا بدّ من أن يتحوّل الفكر إلى ممارسة ومعاناة وحركة تعيش في ساحة الواقع ، وتتدخل في المشاعر والعلاقات والانتماءات والحركة . . . حتى يشعر الجميع بأن حياتهم تخضع للفكر في حالة اليقظة والنوم ، والحرب والسلم ، وفي الحياة الفردية
من وحي القرآن — صفحة 196 | السيد محمد حسين فضل الله