تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
جاه أو علم أو قوة أو غير ذلك ، فإن السرّ في عظمة الإنفاق في الإسلام هو تحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس في جميع المجالات من موقع المسؤولية والرغبة في القرب من اللّه . وقد أراد اللّه سبحانه أن يعرف الإنسان بأن للبرّ طريق رئيسي هو أن ينفق مما يحب ، كما عرّفه بأن اللّه عليم بما ينفقه في السرّ والعلانية ، وبالتالي لا يجب عليه أن يقف الإنسان في الإنفاق عند حدّ الأشياء الظاهرة ، بل ينبغي له أن يراعي طبيعة الحال في ما تستلزمه من إسرار أو إعلان ، فإن الجزاء يصل إليهما ممن عنده علم السرّ والعلانية ، إنه أرحم الراحمين .

لا ينال البر إلّا بالإنفاق

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
الذي يمنحه اللّه عباده من الرضوان ونعيم الجنة ، وربما كان المراد بالفقرة أن الإنسان لا يصل إلى درجة البر بحيث يكون من الأبرار ، أو إلى مستوى البرّ باللّه وهو الطاعة والتقوى الدالان على عمق الإيمان والإخلاص للّه في نفسه وحياته ،
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
من المال الطيب الذي تفضلونه ، وتحبونه ، وتميزونه عن غيره بكل درجاته ، بحيث لا تنفقون قدر الحاجة بل ما يزيد عليها أيضا ، كما في قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] ومن اختيار الطيب في مقابل الخبيث كما في قوله تعالى :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
[ البقرة : 267 ] حتى تصل المسألة إلى درجة الإيثار الذي يعطي الإنسان من نفسه بما قد يؤدي إلى تفضيل الآخر على نفسه كما في قوله تعالى :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] ، وقوله تعالى :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ
[ الإنسان : 8 ] ، أي مع حاجتهم إليه وحبهم له ، وهذا هو الذي يمثل أعلى درجات البر ، لأنه يوحي بأن الإنسان قد وصل إلى درجة فقدانه للإحساس بحاجته واستغراقه في حاجة الآخرين من أجل رضوان اللّه ، وذلك في