تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
تطلعا روحيا إلى قبلة جديدة تنسجم مع أجواء الرسالة الإسلامية التي انطلقت من البلد الحرام والمسجد الحرام ، واعتبرت امتدادا للخط الإسلامي الذي بدأه إبراهيم في منطلقة الروحي من الكعبة . . . وكانت مشاعره تتصاعد في ابتهال داخلي كمثل الدعاء الصامت الذي يعبر عن نفسه بالنظرات الخاشعة التي توحي وكأنها تنتظر شيئا كمثل الهاجس الداخلي الذي يشبه الوحي .
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
في تطلع ابتهالي ينفتح في روحية دعائية على ربه ، في تعبير عن الرغبة العقلية التي تنطلق من حسابات دقيقة في مصلحة الرسالة ومن إيحاءات شعورية في وعي التحدي اليهودي ضد الإسلام ، وذلك في دعاء هادئ يرتفع إلى اللّه ، من دون اعتراض على تشريعه للقبلة الأولى ، وتوسل إليه أن يبدلها إلى القبلة الجديدة - وهي الكعبة - التي تنسجم مع موقع الرسالة الذي يتجذر في حركة الأمة ، من خلال الإحساس بأن الدين الجديد بحاجة إلى قبلة جديدة تمثل رمز الوحدة الحركية للأمة . فإن اللّه الذي أراد لإبراهيم أن يؤذّن في الناس بالحج إلى الكعبة ، أعطاها معنى الطهارة والقداسة والخصوصية المميزة في اعتبارها بيته المحرّم الذي طهّره - من خلال إبراهيم - للطائفين والعاكفين والركّع السجود ، كما جعله مثابة للناس وأمنا ، وغير ذلك من الخصوصيات الداخلية والخارجية التي تميزه عن بيت المقدس . فقد صنعت الكعبة على عين اللّه ولم يكن ذلك لبيت المقدس . . وهكذا تقبّل اللّه ابتهالاته ودعواته ، وجاء الوحي ليقرّر التشريع للقبلة الجديدة التي يرضاها اللّه كما رضيها رسوله :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ
يا محمد
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
، أي حوّل نفسك في توجهاتك العبادية نحو المسجد الحرام الذي يحتوي الكعبة - القبلة باعتبارها جزءا منه ،
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ
أيها المسلمون ،
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
وتوجهوا إليه ، ليكون
من وحي القرآن — صفحة 86 | السيد محمد حسين فضل الله