والفكرية في عملية إحصاء دقيقة ، ليعرف مقدار القوّة التي يملكها في مواجهة القوى الشريرة الأخرى ، سواء في ذلك القوى المضادة الكامنة في داخل نفسه كالشهوات والأطماع ، أو القوى البارزة على ساحة الصراع في الحياة . ثم يمتد الموقف في إثارة إيحائية ليعرف من خلال ذلك أنّ القوّة لا تنحصر في ما تعارف عليه الناس من القوّة المادية المتمثلة بالسلاح والرجال والمال والمراكز وغيرها ، بل هناك القوّة الروحية التي تتمثل بالقيم والتعاليم الكبيرة التي يؤمن بها الإنسان في داخل ذاته ، فهي التي تحميه من نقاط الضعف في نفسه ، كما تحميه من وسائل القوة التي يثيرها الآخرون ضده لتجتاح إيمانه ورسالته وموقفه ، حيث تتحفز تلك القيم لتوحي له بالثبات مع الخط مهما كانت السلبيات والخسائر الصعبة .
دور الشعور بالآخرة في تربية الوجدان
2 - إن من الأساليب القرآنية المرتكزة على أساس من العقيدة الإسلامية الحقة في ما بعد الموت ، محاولة إثارة الشعور بالحياة الآخرة كحالة وجدانية في نفس المؤمن ، من أجل تفريغ الفكر والقلب والوجدان من الإحساس بالخوف والوحشة من ظلام الموت وهوله الذي يمنع الإنسان من الحركة في ما يعرّض الحياة للخطر ، وذلك في حالات الجهاد في سبيل اللّه ، ولا بد لنا من التركيز على هذا الأسلوب لتحقيق هدفين :
الأوّل : تنمية العقيدة في داخل المؤمن بتعميق الإحساس بتفاصيلها ، بالأسلوب الذي يجعلها حالة وجدانية كما لو كان الإنسان يواجه الموقف بالإحساس البصري المباشر ، فيحوّلها - أي القرآن الكريم - عن الحالة الفكرية المجرّدة التي قد لا تثير المواقف الحاسمة في أغلب الحالات .