تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
من كل صفة نقص تنفر عن قبول قوله ، فإنه خيرة اللّه من خليقته وصفوته من بريته . وإننا نعقّب على ما استفاده الشيخ المفيد من سورة الفلق ، في قوله تعالى :
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ
[ الفلق : 4 ] ، أن من الممكن أن تكون الاستعاذة أسلوبا من أساليب التخلص من الحالات النفسية التي يعيشها الإنسان من خوف أو قلق إزاء هذه الحالات ، وذلك بسبب العقلية الشعبية التي درجت على اعتقاد وجود آثار حقيقية لمثل هذه الأمور ، وقد يكون قريبا من هذا الجوّ الأحاديث الواردة في الاستعاذة باللّه من أسباب الطيرة والتشاؤم إذا حدث في النفس شيء بسببها ، مما يوحي بأن المعالجة ليست معالجة لشيء حقيقي يخاف من خطره ، بل هي معالجة لحالة نفسية تحدث من خلال العقائد الموروثة ، وقد لا يعني هذا أن نلغي من الحساب كل التأثيرات الروحية بسبب بعض الكلمات المقدسة من أسماء اللّه الحسنى وآياته ، فقد ورد في كثير من الأحاديث تأثيرها في بعض القضايا التي تبقى من اهتمامات الأديان المرتكزة على وحي اللّه الذي يعلم حقائق الأشياء في خصائصها الروحية والمادية . ولكن هذه الأمور ليست مساحة مفتوحة للجميع ، بل هي من صلاحيات أهل المعرفة الدينية الواعية الذين يميزون بين الخرافة والحقيقة ويعرفون صحيح الحديث من فاسده ، فلا يأخذون من هذه القضايا إلا ما ثبت لهم صحته مما لا يخالف المنطق وطبيعة الأشياء ، ولا يمكن الاستسلام فيها إلى أشباه الأميين الذين لا يملكون من المعرفة إلا قليلا ، فيعتمدون على الصدفة في ربح ثقة الناس ، مما لم يكن لهم فيه أي دخل من معرفة أو تأثير ، فيتبعهم الناس لذلك ويعتذرون عنهم في غير ذلك مما يخطئون فيه ، لأن شأن الناس أن يحبوا التصديق السهل في الأمور ، فذلك يجعلهم في حالة استسلام للحل السهل الذي لا يكلّفهم عناء في مواجهة الأشياء .
من وحي القرآن — صفحة 147 | السيد محمد حسين فضل الله