تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
لأنه إنما كان له بقدرته تعالى ، وبما هيّأ له من الأسباب والوسائل ، ورفع من طريقه العقبات والموانع ، ولذا عليه أن يشعر بأن العطاء ، وظيفة ومسؤولية لا تفضلا ومنّة . فالإنسان مؤتمن على ما ملّكه اللّه تعالى ومكنه منه ، وبالتالي على أن يدبره ويديره ويتصرف به وفق مشيئة مالكه الحق ، أي اللّه سبحانه وتعالى . وبذلك يتصاعد الإيحاء ، في لفتة رائعة ، تنسب المال إلى مصدره الأساس وهو اللّه ، ليدرك أنه لا ينفق مما يختص به ، أو يملكه ملكا ذاتيا حتى يعيش أنانية العطاء ، بل ينفق مما رزقه اللّه . ويتسع الإيحاء في ربط الإنفاق بمصدر العطاء الذي هو اللّه ، ليعتبر الإنسان أنه مسؤول عن كل ما رزقه اللّه من رزق ليعطيه وينفق منه على أساس المسؤولية ، فليس حرا في أن يفعل به ما يريد كما يريد . وقد نلتقي ببعض الأحاديث المأثورة التي تستوحي من الآية الفكرة التي تمتد بالإنفاق إلى ما هو أبعد من المال ، فتتسع المسؤولية لتشمل كل طاقة يملكها الإنسان مما يحتاج إليه الآخرون ، فقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في مقام تطبيق الآية :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
قال : وممّا علمناهم يبثون » « 1 » . وفي حديث آخر : « وما علمناهم من القرآن يتلون » « 2 » ، ومن الطبيعي أن الإمام الصادق عليه السّلام لا يريد أن يحصر مدلول الآية في إنفاق العلم ، لأن مجالها اللغوي أوسع من ذلك ، ولأن الآيات القرآنية الكثيرة الواردة في أمثال هذا السياق ظاهرة في المال أو في ما هو أوسع من المال . . . ولكن الظاهر أنه يريد الإيحاء ، للذين يفهمون منها المال ، أنها تشمل العلم كأسلوب من أساليب التوجيه والتنبيه للآخرين الذين يملكون العلم ولا يبثونه في من يحتاج إليه ، على اعتبار أن هذه الصفة من السمات البارزة للشخصية الإيمانية ، وهذا ما استوحيناه من سعة المدلول القرآني .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 50 . ( 2 ) م . ن ، ج : 1 ، ص : 50 .