تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وربما كان هذا أحد الأسباب التي أقعدت الإنسان المسلم في العصور الماضية عن التقدم في اتجاه فهم الكون من خلال فهم القوانين المتحكّمة في مسيرته ، وساهمت في تكوين الشخصية الغيبية ، ذات العقل الغيبي والمشاعر الغيبية ، التي تبحث في الماضي والحاضر عن خطوات الغيب ، وتواجه المستقبل بتطلعات غيبية ، تفسح في المجال للكهان والمتنبئين للّعب بعواطف الناس ومشاعرهم من خلال عمليات « فتح الفال » وغيرها . حتى أننا رأينا الكثيرين من السياسيين وغيرهم ممن يهمهم أمر معرفة مستقبلهم السياسي والعاطفي ، يتجهون إلى العجائز أو الفلكيين الذين يدّعون معرفة الغيب ويتاجرون بها ليعرفوا منهم تطورات المستقبل . إننا لا نؤمن بحركة الإيمان بالغيب في مثل هذه المساحة الواسعة من حياة الناس العامة والخاصة ، بل نؤمن بالغيب الذي يربطنا باللّه في مجال محدود ، ولذا نرى الإسلام يشنّ حملة شديدة على الكهان والكهانة والتنجيم والمنجمين لإبعاد العقلية الغيبية عن واقع الفكر والحياة ، ولإبقاء الإيمان بالغيب في منطقة العقيدة عالما يعيش في داخل الذات ، ليطوف بالإنسان في بعض مجالات حياته ، بعيدا عن الاستغراق في المادة العمياء ، التي لا تفتح عينيها على الآفاق الواسعة المنطلقة أبدا مع اللّه ، لكيلا يتجمد الإنسان عند حدود الأمل الضيق الذي تسمح به ظروفه الخاصة المحدودة . إننا قد نؤمن بالغيب بشكل جريء في كثير من الحالات التي لا نفهمها ، أو ربما نتمرد - في وعينا - على بعض القوانين الطبيعية التي قد يكون لها جانب غيبي ، لأننا نعتقد بأن الحياة لا تخضع دائما للتفسيرات المادية ، فقد تحدث في حياة كل منا أشياء غيبية في عالم الرزق أو الصحة أو غير ذلك ، فيشفى بعض المرضى نتيجة التوسل لله ، بنبيّ أو وليّ ، أو بسبب دعاء أو عمل عبادي ، في جو نفسي معين قد لا ينسجم مع التفسير النفسي العملي .