تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
ولو كان البذل محصورا في حصار التجارات : جزاء أو شكورا ، أصبح الكثير من ذوي الحاجة محرومين ، ولو كان مقرونا بمنّ أو أذى انقلب عارا في أنفس المحتاجين ، ولكنه اشترط في الإنفاق أن يكون مما نحب وبطريقة حبيبة بعيدة عن المنّ وعن بغية الجزاء والشكور ، وعن لمحات توحي بوهن ومهانة للمعطى ، واستعظام للمعطي ، ولكي يصبح الإنفاق كأنه من يد اللّه دون وسيط ، ويا له إنفاقا عزيزا رفيقا يصاحب حيوية العاطفة ويحافظ على حساسية القلوب . وهل إنهم خاطبوا مسكينا ويتيما وأسيرا هكذا : إنما نطعمكم . . قولة في آذانهم ؟ ولا نلمس هنا نقل قول :
قالُوا إِنَّما . .
ولا ان في قول اللسان رجحان ، وقد يكون نقصانا من روحانية الإطعام وإخلاصه ف واللّه ما قالوا هذا لهم ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر اللّه بإضمارهم ، يقولون : لا نريد جزاء تكافوننا به ، ولا شكورا تثنون علينا به ، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه اللّه وطلب ثوابه » « 1 » : ومن أثوب ثوابه معرفته ومرضاته وهذه عبادة الأحرار ! . فليست إذا قولة في الآذان ، وإنما قالوا في أنفسهم قولا بليغا ، فإطعام الطعام هكذا - مع ما تصحبه من ملابسات - تنفي الرئاء وسائر وجوه النية السيئة ، وإنه تعبير عبير في أنفس المحاويج عن
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ . . .
دون قولة باللسان ، فالتلميح أبلغ من التصريح :
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
: لا مكافأة ولا إظهارا بثناء جميل ، أو تلميحا للناس أن ذلك من فلان وفلان ، فان شكر النعمة وشكورها هو إظهارها قلبا أو لسانا أو عملا ، ف « إنما » هناك تنفي كل غاية من هذا الإطعام إلا وجه اللّه ، لا واقع الجزاء والشكور فهم رافضوه ، ولا إرادته أو نيته فهم مترفعون عنها ، وإنما إرادة وجه اللّه لا سواه .
هامش
( 1 ) . أمالي الصدوق عن الصادقين ( ع ) في حديث طويل عن القصة .