تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
سواهم ابتلاء ونقمة ، فهي تعم ماء الحياة الروحانية وبركاتها التي تخص المتقين المستقيمين دون سواهم ، فلا تختص عوائد الايمان وفوائدها الحياة الأخرى ، بل إنها تعمها والحياة الدنيا ، والآخرة خير وأبقى ، فالبركات الروحية هي أولى وأحرى أن تسمى ماء غدقا وبركات إذ لا تخالطها دركات :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 41 : 30 )
لذلك نرى الإمام جعفر الصادق عليه السلام يفسر الماء الغدق بالعلم الكثير ، تفسيرا بما هو أحرى مصاديقه « 1 » . ثم الماء الغدق المادي وبركاتها ، هو جزاء المستقيمين من جهة ، وفتنة لهم من أخرى ، وكما جعلت غاية للإسقاء :
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
فالمستقيم في الفتنة ، الذي لا تغريه بركات الدنيا ومغرياتها ولا تنسيه وتعرضه عن ذكر اللّه ، هذا المستقيم تزداده الفتنة رحمة وايمانا ، وقليل ما هم الصامدون على الاستقامة في الترف والترح ، ولذلك لا يعم اللّه سعة الأرزاق للمستقيمين اجمع ، فأكثرها لمن يستقيم ، ثم بجانبهم المعرضون عن ذكر اللّه الذين يبدلون نعمة اللّه كفرا ويحلّون قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار ، هؤلاء الذين حياتهم هي الغفلة ويعيشون التخلفات ، فالماء الغدق والبركات تصبح لهم دركات وتسلكهم عذابا صعدا
وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً
ينفذه عذابا صعبا . من المؤمنين غير المستقيمين في الايمان ، والمستقيمين ما داموا فقراء فإذا سقوا ماء غدقا بغوا ونسوا اللّه ، ومن القاسطين المستقيمين في القسط والبغي ، هؤلاء شركاء في سلك العذاب الصعد نتيجة الإعراض عن ذكر ربهم ، كل على قدره - أعاذنا اللّه منه - فهم في العذاب الصعد فقراء وأغنياء ، رؤساء ومرءوسين ، وليس املاؤهم في أعمارهم وإمدادهم بأموال وبنين خيرا لأنفسهم :
هامش
( 1 ) . نور الثقلين 5 : 439 عنه ( ع ) معناه : لأفدناهم علما كثيرا يتعلمونه من الأئمة .