ثم إسلاما للّه بعد إسلامه لغير اللّه ، إسلاما بقلبه وقالبه ، بجوارحه وجوانحه ، فلا يبقى من كونه ولا كيانه إلّا إسلام للّه ، فأمّا أن يلفظ بالإنابة والإسلام وقلبه ساه وعمله واه ، فما هي بإنابة وما هو بإسلام ! ولماذا الإسلام بعد الكفر وأحرى منه الإيمان ؟ لأنه بعد الطغيان فيناسبه الإسلام وهو قبل الإيمان ومعه وبعد الإيمان ، درجات ثلاث من الإسلام ترجى على رسلها بعد الإنابة ، وأقلها التسليم في المظاهر خروجا عن الطغيان .
فهيّا أيها المسرفون قبل فوات الأوان
« مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ »
فإنما النصرة الرحمة قبل الموت ولمّا يأت العذاب .
فهيّا هيّا إلى الإنابة والإسلام ، فالوقت غير مضمون ، والرب غير ضامن ، وقد يحل الموت وهنا الفوت ولات حين مناص ، وقد أفلت الخلاص
« ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ »
إذ لا توبة بعد الموت ولا أوبة بعد الفوت .
ثم كما ليس الغفران إلّا بشروط ، كذلك الإنابة والإسلام هما على شروط :
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 )
.
وإنه القرآن
« أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ »
واجب الاتباع علميا ومعرفيا وعقائديا وعمليا
« مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً »
هنا أم بعد الموت
« وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
واجب الاتباع أو واقع العذاب ، وقد تلمح بغتة العذاب بأنه عذاب الاستئصال
« فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ » ( 40 : 85 )
أم ومعه عذاب البرزخ ومن ثم القيامة وأجمعه ثالوث العذاب ، وأيقنه الآخران ، وأتقنه الأخرى ، فاشعروا