تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
« فكذبوهما » كما كذّبت أمم قبلهم وبعدهم ومعهم بعذرهم البائس المتكرر :
« إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا . . . »
« فعززنا » الرسولين برسالتهما « بثالث » فإنّ في تلاحق الحجج مزيدا من الاعتزاز للحق « فقالوا » جميعا بكلمة واحدة :
« إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ »
صيغة سائغة صارمة بتأكيد « إنا » وتقدّم الظرف الموحي للاختصاص : « إليكم » مع التعزيز بثالث . فقبل الثالث « كذبوهما » بإجمال دونما عناية واعتداد ، فلما عززنا بثالث فصرمت الحجة ، أخذوا في سرد الرد عليهم بعرض عريض إذ عرفوا تلاحق الرسالة في تعزيز دونما وقفة ، فحاولوا في نكرانها واحتالوا في تكذيبها بحجة مفصلة هي في زعمهم قاطعة قارعة ، ولكي يرتاحوا عن تواتر الرسالة .
قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ( 15 )
.
« ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
كحجة أولى لتكذيبهم ، حيوانية التصور ، إذ تحصر إنسانية الإنسان ببشريته ، دون ان تحسب روحه وروحانيته بحساب ، وفي هذا المقياس الحيواني هؤلاء هم أولى بالرسالة إذ يملكون من حيوانية الإنسان أكثر منهم ، وهم كأمثالهم معترفون بمماثلتهم في بشريتهم ، ولكنهم يمتازون عنهم بما يوحى إليهم قدر الاستعداد في روحياتهم وقابلياتهم :
« قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
. . .
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . . . » ( 14 : )
11 )
« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ . . . » ( 41 : 6 )
. فالمماثلة في البشرية ليس لزامها المماثلة في سائر الميزات الروحية بقابلياتها ، ولكنهم يحصرون الإنسان في بشريته ، ويحسرونه عما سواه من