تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
ثم كسوة العظام لحما ليس في هذه التطورات له نصيب ، وأخيرا - وبعد تكملة الجنين جسميا -
« أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »
- دون خلقناه أو جعلناه - مما يدل على أن المنشأ غير مجعول ولا مخلوق كمثلث الخلق أو مربعة . « أنشأناه » الجنين ، دون « انشأنا له » فليس الخلق الآخر الروح من غير جنس الجنين ، مجرد أم سواه ، بل هو هو إنشاء ، فلم تتحول العظام المكسوة باللحم روحا ، كما تحول كل من النطفة والعلقة والمضغة تاليتها ككل ، وإنما
« أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »
ليس آخر كما كانت هذه الثلاث ، وانما آخر في الحالة والخاصة الحاضرة رغم كونه من المادة الجنينية . فكما يقال أنشأت الوردة جلابا وعطرا ، وأنشأت التراب الذهبي ذهبا ، فالمنشأ سلالة وصفوة من المنشأ منه وليس كلّه ، كذلك الروح منشأ من نفس المادة الجنينية وليس كلها ، ولا بعضا منها كسائر أبعاضها ، بل هو سلالة منها مصطفاة ، لها خاصتها الخاصة التي ليست لسائر اجزاء الجنين مهما اشتركا في أصل المادة ، كما الذهب والتراب ! وكما الئيدروجين وهي أخف وأصفى الذرات بالنسبة لأثقلها وأكدرها . وقد تعني « ثم » المراخية هنا - كما في
« ثُمَّ جَعَلْناهُ »
- انفصال الروح عن البدن بعيدا من حيث الكيان ، مهما كانا متحدين في الكون المادي ، كما أن جعل النطفة متراخ عن خلقه من سلالة من طين ، والفاء في الثلاثة المتوسطة دليل التقارب والتماثل . « ثم » بعيدا عن الكثافة الجسمية الجنينية وبعيدا عن كدرتها والأكثرية الساحقة من آثارها « أنشأناه » : الإنسان الميت لحد الآن « خلقا آخر » يختلف عن الأول في شاكلة المادة وخاصتها بحيوية شاعرة مريدة لم تكن له من ذي قبل ، الا حركات تكاملية - ان صح التعبير - هي أتوماتيكية .