واللّه سبحانه خلق لنا الأرض قبل أن يخلقنا منها ، ثم استعمرنا فيها بما خلق من معدات العمار فينا وفي أرضنا ، وجعل استعمار الأرض من العبادات ف «
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
» ( 2 : 29 ) ، خلقها وما فيها لصالحنا ، فعمّرنا فيها وأمّرنا - بما أمرنا - وقوّانا باستعمارها العادل الكافل للحياة الأرضية الراقية ماديا ومعنويا .
وهكذا يأمر القائد الإسلامي السامي - بأمر اللّه - أن تستعمر الأرض وكما في عهد الإمام علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى مالك الأشتر النخعي متصرف لواء مصر من
قوله : « وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلا قليلا ، فإن شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش ، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المئونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك » ( الخطبة 292 ) .
هذا ، وقد تعني
« اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها »
إضافة إلى ما تعني من العمار ، العمر ، فهما معنيان ، حيث العمر والعمار متلازمان ، فقد أنشأكم من الأرض وجعل لكم فيها عمرا وعمارا ، فبالعمر يحصل العمار ، وبالعمار يطول العمر ، فإن في عمار الأرض إصلاحها لصالح الحياة المعيشية الطويلة ، رعاية لمتطلبات الحياة البدنية ، والعقل السليم في البدن السليم .
قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 )
.
« قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا »
وتراه كانوا يرجونه ليكون من الدعاة إلى الإشراك باللّه ؟ أم مرجوا في السكوت عن الدعوة إلى اللّه ؟ .
بطبيعة الحال لم تكن في صالح ملامح الدعوة إلى الإشراك ، بل هي الدعوة إلى اللّه ، ولأنه قبل رسالته ما كان يجاهر بالدعوة إلى اللّه وفيه