تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
« أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ »
فقد صاحبهم صاحبهم عمرا من قبله بكلّ رزانة عقل ورحابة صدر ورصانة قدر :
« فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
( 10 : 16 ) . كيف وقد صاحبكم صاحبكم طوال أربعين عاما أمينا متينا عاقلا لحد سميتموه محمد الأمين ، فالآن تتهمونه بالجنة لأنه يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر « 1 » و
« إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ »
هويته في النذارة الرسالية بعقلية الوحي الصارم :
« أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » ( 23 : 70 )
-
« كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » ( 51 : 52 )
. ذلك لأن الرسالات الربانية تعارض الجاهليات والهمجيات المجنونة ، وهذه طبيعة الحال أن المجانين يحسبون من يخالفهم في جنّتهم مجانين وهم أولاء عقلاء !
« أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا »
؟ وهكذا يدق عليهم اللّه دقّاته المتواترة علّهم ينتبهون عن غفلتهم ويستيقظون عن غفوتهم ، إيقاظا لهم بإيعاظ بالغ من تحت الركام الطامّ المسيطر على فطرهم وعقولهم . ولأن الإنسان بين عاقل ومجنون ، وهم صاحبوا المجانين وصاحبوا صاحبهم هذا الذي يقولون إنه لمجنون ، فهل رأوا فيه جنّة كسائر المجانين ، الخالطين في أقوالهم وأفعالهم ، المتناقضين في كل حالاتهم ؟ ولم يدّع أحد من هؤلاء أنه رأى فيه ما كان يراه في المجانين ، بل ولا أنه رأى وزان ما رآه منه بين سائر العقلاء ، إذا فهو فوق العقلاء بعقلية الوحي بعد العقلية الإنسانية الناضجة التي كانوا يعترفون بها فيه في العمر الذي لبث فيهم قبل الرسالة .
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 3 : 149 عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) قام على الصفا فدعا قريشا فحذا فحذا من قريش فقال : يا بني فلان يا بني فلان وكان يحذرهم بأس اللّه ووقائع اللّه إلى الصباح حتى قال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت حتى أصبح فأنزل اللّه هذه الآية .