تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
والآخرة وذلك هو الخسران المبين ، ولكن أهل الآخرة ركبوا الدنيا وعبّدوها فتذللت لسلطانهم واستعبدت لهم فربحوا الدنيا والآخرة « 1 » :
« قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » ( 18 : 104 )
. فالدنيا - إذا - محظورة ومحبورة من أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها أعمته » « 2 » . فقد يسمع الإمام علي ( ع ) رجلا يذم الدنيا فيقول له : « أيها الذام للدنيا ، المغتر بغرورها ، المخدوع بأباطيلها ، أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ متى استهوتك أم متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ؟ وكم مرضت بيديك ؟ تبغي لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطباء ، غداة لا يغني عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاءك ، لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوتك ، وقد مثلت لك به الدنيا نفسك ، وبمصرعه مصرعك . إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء الله ، ومصلى ملائكة الله ، ومهبط وحي الله ، ومتجر أولياء الله ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثلت لهم ببلاءها البلاء ، وشوقتهم بسرورها إلى السرور ، راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة ، ترغيبا وترهيبا ، وتخويفا وتحذيرا ، فذمها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكرتهم فتذكروا ، وحدثتهم فصدقوا ، ووعظتهم فاتعظوا » .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة 131 ح / 590 . ( 2 ) . هذا من كلمات الإمام علي أمير المؤمنين ( ع ) .