تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
1 -
« اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا »
فقد كانت نعمة تكلّمه في المهد تبرءة لهما فهي نعمة عليهما ، ثم نعمة تكلمه كهلا برسالة الوحي تحقيقا حقيقا باللَّه لهما إذ أكد براءته وأمه مما قيل عليهما ، وأكد بركتهما في هذه الرسالة السامية ، فتكلم المسيح ( ع ) في المهد عني واقعا هو براءتهما ، ومستقبلا هو رسالته ، فلم يكن وقتئذ نبيا ، ومما يبرهنه « وكهلا » بعد « مهدا » حيث الفاصل بينهما خلو عن ذلك التكلم الرسولي ، فتكلمه في المهد كان رساليا في بعدية وهو « كهلا » كان رسوليا بكل الأبعاد ، ثم لا بعد رساليا ولا رسوليا لتكلمه بين « مهدا وكهلا » ، ومما تشهد له النعمة التالية : 2 -
« وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ »
إذا فما كان معلّما رسوليا هذه الأربع وهو في المهد ، فإنما علمها « كهلا » رسولا برسالة الوحي . وهنا
« الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ »
قبل
« التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ »
علّة من ذكر العام قبل الخاص ، حيث التوراة والإنجيل هما كتابان حكيمان ، فقد علم قبلهما أو معهما كل كتاب وحكمة بالوحي ، تحليقا لوحيه الرسالي على كل كتابات الوحي من ذي قبل وكل الحكم المطوية فيها . ولأن تعليم هذه الأربع - وهو رسالته جمعاء - لا يكفي دليلا عليها عند الناس فإلى نعمة ثالثة هي آيته الرسولية بعد الرسالية المعطاة إياه : 3 -
« وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
. . .
وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي »
وهذه ذكرى شاملة لعديد آياته ومديدها ، تبيينا أنها كلها بإذن اللَّه ، فلم يكن منه إلّا صنعة ونفخة ولكن الخلق إنما هو « بإذني » إذنا غير مخول إلى المسيح ( ع ) حتى يكون هو الخالق وكيلا أو بديلا ، فلم يأذن اللَّه له في الخلق والإحياء أمّا أشبه من آية ، فإنما فعله في حقل الآيات - فقط - تخلق ، دون تخليق ، وتحيى دون إحياء ، وتبرئ دون إبراء ، فالجانب