غيرها أمركم به ، فلا تنكروا تدبير اللّه في عباده وقصده إلى مصالحكم . . . « 1 » والمشرق والمغرب هنا هما تعبيران عن كافة الجهات الأرضية ، لأنهما النقطتان الأصيلتان ، فليس المشرق : القدس - فقط - للّه ، أو المغرب : قبلة النصارى - فقط - للّه ، بل والجنوب الكعبة فله الجهات كلها ، يحوّل عباده في صلاتهم وكل صلاتهم أينما يريد لمصالح وابتلاءات ، كما وأن أصل تحول شرعة إلى شرعة ابتلاء :
« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ » ( 5 : 48 )
. فكما أن قبلة القدس - في وقتها - صراط مستقيم لاتجاه الصلاة ، كذلك الكعبة المباركة صراط مستقيم ، بل هي الأصل المقصود على مدار الزمن الرسالي ، ولا سيما الإسلامي ، وقبلة القدس ابتلاء وقتي لمصلحة وقتية وقد مضت .
وقد اختلفت الروايات في عديد الأشهر المدنية لقبلة القدس من خمسة إلى سبعة إلى سبعة عشر ، ولأن عديد الأشهر ليس من صميم قصته التحويل ، لم تشر إليها الآيات وكما لم تصرح للقبلة المكية ، فإنما الأصل في مسرح البحث هو تحويل القبلة ، وأن أصلها هو الكعبة المباركة .
ولقد انطلقت أبواق اليهود السفهاء - ومعهم سائر السفهاء من الناس مشركين ومنافقين ومسيحيين - تصرخ على المسامع
« ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها »
مرة أولى حين تحولت عن الكعبة إلى القدس ، ومرة أخرى إذ تحولت عن القدس إلى الكعبة ، انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وفي قلوب
هامش
( 1 ) . هذا من تتمة الحديث السابق عن الإمام العسكري ، ومكان النقط . . . اربع عشرة سنة ، فهو من القسم الثاني الدال على أن القبلة في مكة كانت هي القدس ، ولكن باتجاه الكعبة .