تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
ومنه يظهر أنّ قوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
معناه : فجعلنا فيه قوّة ذلك بإفاضة الوجود والاستعداد القديم الغريب ، وبمعونة الأسباب المقرّبة يحصل فيه فعليّة ذلك الوصف ، بخلاف غيره من أفراد الحيوانات ، فإنّها لعدم استعدادها في الأزل لقد حرمت عن ذلك المقام بالذات . وفي حكمها بعض أفراد الإنسان الّذين أصرّوا في العصيان والشقاوة ، واستكبروا عن التذلّل لمظاهر أسماء اللّه الحسنى ، أي الأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام فإنّهم كما عرفت لقد عدم استعدادهم وحرموا عن نور الهداية ، ولذا شبّههم اللّه بالأنعام ؛ حيث قال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
« 1 » أي ولقد خذلنا كثيرا منهم لجهنّم الطبيعة والماهيّة ، ومن صفاتهم أنّ لهم قلوب منكدرة بالقساوة والشقاوة « لا يفقهون بها » غرض الأنبياء والأولياء ، ولا يطّلعون على حقائق التوحيد « ولهم آذان لا يسمعون بها » تغنّيات طاوس الملكوت في إعلاء كلمة التوحيد ، وإفشاء حقائق التجريد « ولهم أعين لا يبصرون بها » أنوار المحبوب اللامعة عن سماء الحبيب ، ف « أولئك كالأنعام » الّتي ما كان لهم تلك الاستعدادات من الأصل « بل هم أضلّ » منها ، لأنّهم كانوا مستعدّين فضيّعوا استعدادهم ، فلم يعرفوا رشادهم ، و « أولئك هم الغافلون » أي الذاهلون عمّا صنعوا ممّا يبعّدهم عن معارج الحكمة ، ومدارج الصفاء ،
هامش
( 1 ) الأعراف : 179 .
بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 48 | ملا حبيب الله الشريف الكاشاني / موسسه فرهنگى ضحى