تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
القرب ، ويتنعّم بفواكه جنّات الجذب ، كسلوا عن مراعاة تلك الأسباب الّتي هي إحدى المقدّمات للفعليّة ؛ إذ ليس السبب التامّ هو الوجود خاصّة ، بل هو وهذه الأسباب حتّى ضاعت أوقاتهم بالاشتغال بغيرها من الموانع لحصول الفعلية ؛ كالإنكار والجحد والعصيان ، وغير ذلك ممّا يبعّد العبد عن جنّة الوصال ، والفوز بمشاهدة أنوار الجمال والجلال . فرانت على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، وطبع عليها فزاغوا عن طريق الحقّ ، وعدلوا عن مسلك الصدق ؛ كما قال :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
« 1 » أي خذلهم وقطع فيض هدايته عنهم ، فما زالوا مدبرين عن الحقّ حتّى زاد في كلّ حين مرض قلوبهم بحيث ما يرجى لهم الهداية أصلا - العياذ باللّه - ولقد أشار إليهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
« 2 » أي الّذين استعدّوا لمقام السمع والبصيرة ، فأعرضوا عن الأسباب الموصلة إليه ، وتعوّدوا على ذلك الإعراض ، وأصرّوا عليه فكفروا كفرا لا يرجى معه الإيمان بعد ذلك ، لا ينفعهم الدعاء إلى الإيمان والإنذار في كلّ زمان ، فإنّ قلوبهم لقد طبعت بالكفر والشقاوة ، وأخذ اللّه بسمعهم ، فلا يلتذّون بكلمات الحقّ ، وبأبصارهم فلا يشاهدون أنواره . وقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ
هامش
( 1 ) الصفّ : 5 . ( 2 ) البقرة : 6 - 7 .
بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 43 | ملا حبيب الله الشريف الكاشاني / موسسه فرهنگى ضحى