ثمّ لعلّك تقول : إذا كانت الفضائل والرذائل كلّها مقدورة مكتوبة علينا قبل صدورها عنّا ، فما بالنا لا نتساوى فيها ، وبأيّ شيء يتفضّل السعيد على الشقيّ وقد ساواهما فيما قدّر لهما ، وأين عدل اللّه منّا وقد قال :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 1 »
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
« 2 » .
فنقول : اعلم أنّ الاستعدادات متفاوتة ، والأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة ، والضعف والقدرة ، متفاوتة في درجات القرب والبعد من اللّه ، والموادّ السفليّة بحسب الخلقة متباعدة في اللطافة والكثافة ، ومزاجاتها متباينة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقيّ ، فقابليّتها بما يتعلّق بها من الأرواح متفاوتة ، وقد قدّر بإزاء كلّ روح ما يناسبه من الموادّ ، فحصل من مجموعها استعداد مناسب لبعض العلوم والإدراكات دون بعض ، موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض ؛ على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق ؛ كما قال عليه السلام : الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة « 3 » .
وتتفاوت العقول والإدراكات والأشواق والإرادات بحسب اختلاف الطبائع والغرائز ، فينزع بعضهم بطبيعته إلى ما ينفر عنه الآخر ، والعناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن ، فلو أمكن الحسن بغير ذلك لوجد ، ولو تساوت الاستعدادات لفات الحسن في ترتيب النظام ،
هامش
( 1 ) ق : 29 .
( 2 ) النحل : 118 .
( 3 ) الكافي 8 : 177 .