وأزمناهم ، انتهى .
فَمَا اسْتَطاعُوا
؛ أي : فلم يقدروا
مُضِيًّا
؛ أي : ذهابا وإقبالا إلى جانب أمامهم
وَلا يَرْجِعُونَ
؛ أي : ولم يقدروا رجوعا وإدبارا إلى جهة خلفهم . فوضع الفعل موضع المصدر لمراعاة الفاصلة . قال الحسن : ( فلا يستطيعون ) أن يمضوا أمامهم ، ولا يرجعوا وراءهم وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر . وقيل : المعنى : لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم . وقيل : لمسخناهم في المكان ، الذي فعلوا فيه المعصية .
والمعنى « 1 » : أي ولو نشاء لمسخناهم مسخا يحل بهم في منازلهم ، لا يقدرون أن يفروا منه بإقبال ولا إدبار .
وحاصل معنى الآيتين « 2 » : ولو نشاء عقوبتهم ، بما ذكر من الطمس والمسخ ، جريا على موجب جناياتهم ، المستدعية لها لفعلنا ، ولكنا لم نشأها جريا على سنن الرحمة ، والحكمة ، الداعيتين إلى إمهالهم زمانا إلى أن يتوبوا ، ويؤمنوا ، ويشكروا النعمة ، أو إلى أن يتولد منهم من يتصف بذلك .
وقرأ الجمهور « 3 » :
عَلى مَكانَتِهِمْ
بالإفراد . وقرأ الحسن ، والسلمي ، وزر بن حبيش ، وأبو بكر عن عاصم مكاناتهم بالجمع . وقرأ الجمهور :
مُضِيًّا
بضم الميم . وقرأ أبو حيوة ، وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي :
بكسرها اتباعا لحركة الضاد . وقرئ مضيا بفتحها ، فيكون من المصادر التي جاءت على فعيل ، كالرسيم والوجيف .
ثم شرع يقطع معذرة لهم ، ربما احتجوا بها . وهي قولهم : أنهم لو عمروا لأحسنوا العمل . فقال :
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ
؛ أي : ومن نطل عمره في الدنيا
نُنَكِّسْهُ
ونقلبه
فِي الْخَلْقِ
والشكل والصورة ؛ أي : نغير خلقه ، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا ، من القوة والطراوة ، ونرده إلى أرذل العمر ، شبه الصبي في أول الخلق . والمعنى : نقلبه في شكله ، ونجعله على عكس ما خلقناه أولا ،
هامش
( 1 ) الفتوحات .
( 2 ) أبو السعود .
( 3 ) البحر المحيط والشوكاني .