تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
إزالة نعمة البصر عنهم ، فيصيروا عميا ، لا يقدرون إلى التردد في الطريق لمصالحهم ، ولكن أبقينا عليهم نعمة البصر ، فضلا وكرما ، فحقهم أن يشكروا عليها ، ولا يكفروا . وهذا تهديد لأهل مكة بالطمس ، فإن اللّه قادر على ذلك ، كما فعل بقوم لوط حين كذبوه ، وراودوه عن ضيفه . وإجمال المراد « 1 » : ولو شئنا لأذهبنا أحداقهم ، فلو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق ، الذي اعتادوا سلوكه . . لم يستطيعوا ذلك . وفي « الخازن » : والمعنى « 2 » : ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى ، وتركناهم عميا يترددون ، فكيف يبصرون الطريق حينئذ . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : يعني : لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم ، فأعميناهم عن غيّهم ، وحوّلنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى ، فأبصروا رشدهم ، فأنى يبصرون ، ولم نفعل ذلك بهم ، انتهى . وقرأ الجمهور :
فَاسْتَبَقُوا
فعلا ماضيا ، معطوفا على
لَطَمَسْنا
. وهو على الفرض والتقدير . وقرأ عيسى بن عمر
فَاسْتَبَقُوا
على الأمر . وهو على إضمار القول ؛ أي : فيقال لهم : استبقوا الصراط . وهذا على سبيل التعجيز . إذ لا يمكنهم الاستباق مع طمس الأعين . ثم زاد في تهديدهم وتوبيخهم ، وبيان أنه قادر على منعهم من الحركة ، فقال :
وَلَوْ نَشاءُ
؛ أي : ولو أردنا أن نمسخهم ، ونحول صورهم الأصلية ، ونسقطهم « 3 » عن رتبة التكليف ودرجة الاعتبار
لَمَسَخْناهُمْ
لغيرنا وحولنا صورهم ، بأن جعلناها قردة وخنازير ، كما فعلنا بقوم داود عليه السلام ، أو بأن جعلناهم حجارة ومدرة . وهذا أشد من الأول وأقبح ، لأن الأول خروج عن رتبة الإنسانية إلى الحيوانية ، وهذا عن الحيوانية إلى الجمادية ، التي ليس لها شعور أصلا وقطعا
عَلى مَكانَتِهِمْ
؛ أي : في مكانهم ومنزلهم الذي هم فيه قعود . وقال بعضهم : معنى
لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ
؛ أي : لأقعدناهم على أرجلهم
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) الخازن . ( 3 ) روح البيان .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 87 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي