تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
( كفار ) . وفيه « 1 » إشارة ، إلى أن من طبيعة الإنسان ، أنه إذا مسه ضرب خشع وخضع وإلى ربه فزع ، وتملق بين يديه وتضرع .
ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ
وأعطاه
نِعْمَةً
عظيمة صادرة
مِنْهُ
تعالى ، حاصلة من جنابه ، وأزال عنه ضره ، وكفاه أمره ، وأصلح باله ، وأحسن حاله
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ
؛ أي : نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إلى كشفه عنه
مِنْ قَبْلُ
؛ أي : من قبل أن يخوله ما خوله ، كقوله تعالى :
مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ
، وقيل : نسي الدعاء الذي كان يتضرع به ، وتركه . أو نسي ربه الذي كان يدعوه ، ويتضرع إليه إما بناء على أن ( ما ) بمعنى : من كان في قوله تعالى :
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
( 3 ) ، وإما إيذانا بأن نسيانه ، بلغ إلى حيث لا يعرف مدعوه ما هو ، فضلا عن أن يعرفه من هو ، فيعود إلى رأس كفرانه ، وينهمك في كبائر عصيانه ، ويشرك بمعبوده ، ويصر على جحوده ، وذلك لكون دعائه المحسوس معلولا بالضر الممسوس ، لا ناشئا عن الشوق إلى اللّه المأنوس . وهو معنى قوله :
وَجَعَلَ
ذلك الإنسان
لِلَّهِ
سبحانه
أَنْداداً
؛ أي : شركاء من الأصنام أو غيرها يستغيث بها ، ويعبدها
لِيُضِلَّ
الناس بذلك
عَنْ سَبِيلِهِ
تعالى ؛ أي : عن طريق اللّه التي هي الإسلام والتوحيد . وقرأ الجمهور :
لِيُضِلَّ
بضم الياء ؛ أي : ما اكتفى بضلال نفسه حتى جعل غيره يضل . وقرأ « 2 » ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعيسى : بفتحها . ثم أمر اللّه سبحانه ، رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أن يهدد من كان متصفا بتلك الصفة ، فقال :
قُلْ
يا محمد تهديدا لذلك الضال المضل ، وبيانا لحاله ومآله :
تَمَتَّعْ
؛ أي : عش في الدنيا
بِكُفْرِكَ
؛ أي : في كفرك ، واستمتع بزخارفها تمتعا
قَلِيلًا
فمتاع الدنيا قليل وإن طالت ، فهو صفة لمصدر محذوف ، أو زمانا قليلا ، فهو صفة زمان محذوف ، فالأمر بالتمتع للتهديد ، كقوله تعالى :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
.
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) البحر المحيط .