وخففها الباقون ، وجملة قوله :
أَحْيَيْناها
مستأنفة مبينة لكيفية كون الأرض الميتة آية ، كأن قائلا قال : كيف تكون آية ؟ فقال : أحييناها ، والإحياء في الحقيقة :
إعطاء الحياة ، وهي صفة تقتضي الحس والحركة ، والمعنى هاهنا : هيجنا القوى النامية فيها ، وأحدثنا نضارتها بأنواع النباتات في وقت الربيع ، بإنزال الماء من بحر الحياة ، وكذلك النشور ، فإنا نحيي الأبدان البالية المتلاشية في الأجداث ، بإنزال رشحات من بحر الجود ، فنعيدهم أحياء كما أبدعناهم أولا من العدم .
وبدأ في تفصيل الآيات بالأرض « 1 » ؛ لأنها مستقرهم حركة ، وسكونا ، حياة وموتا ، فنبههم اللّه سبحانه بهذا ، على إحياء الموتى ، وذكرهم نعمه وكمال قدرته ، فإنه سبحانه أحيا الأرض بالنبات ، وأخرج منها الحبوب التي يأكلونها ، ويتغذون بها . وهو معنى قوله :
وَأَخْرَجْنا مِنْها
؛ أي : من الأرض
حَبًّا
وبزرا . والحب هو الذي يطحن ، والبزر الذي يعصر منه الدهن ، وهو جمع حبة ، والمراد : جنس الحبوب التي تصلح قواما للناس من الأرز ، والذرة ، والحنطة ، والشعير ، وغيرها .
فَمِنْهُ
؛ أي : فمن ذلك الحب
يَأْكُلُونَ
تقديم « 2 » الصلة ليس لحصر جنس المأكول في الحب ، حتى يلزم أن لا يؤكل غيره ، بل هو لحصر معظم المأكول فيه ، ولبيان أنه أكثر ما يقوم به المعاش ، فإن الحب معظم ما يؤكل ، ويعاش به ، ومنه صلاح الإنس حتى إذا قل قل . . الصلاح ، وكثر الضر والصياح ، وإذا فقد . . فقد النجاح بإخلال الأشباح ولأمر ما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« أكرموا الخبز فإن اللّه أكرمه ، فمن أكرم الخبز أكرمه اللّه » .
قال في شرعة الإسلام : ويكرم الخبز بأقصى ما يمكن ، فإنه يعمل في كل لقمة يأكلها الإنسان من الخبز ثلاث مائة وستون صانعا . أولهم : ميكائيل الذي يكيل الماء من خزانة الرحمة ، ثم الملائكة التي تزجر السحاب والشمس والقمر والأفلاك ، وملائكة الهواء ، ودواب الأرض ، وآخرهم الخباز . ومن إكرام الخبز :
أن تلتقط الكسرة من الأرض ، وإن قلت ، فيأكلها تعظيما لنعمة اللّه تعالى . وفي الحديث : « من أكل ما يسقط من المائدة . . عاش في وسعة ، وعوفي في ولده ،
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) روح البيان .