تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
وإصلاح ذات البين ، وطاعة اللّه تعالى ورسوله ، فقال :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
؛ أي : إنّما المؤمنون حقا المخلصون في إيمانهم هم الذين اجتمعت فيهم خمس خصال : الأولى منها : ما ذكره بقوله :
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
ورقت وخافت
قُلُوبُهُمْ
: من اللّه تعالى خوف عقاب ، وهو خوف العصاة ، وخوف الهيبة والعظمة وهو خوف الخواص ، ولفظة
إِنَّمَا
تفيد الحصر ، والمعنى : ليس المؤمنون الذين يخالفون اللّه ورسوله ، إنّما المؤمنون الصادقون في إيمانهم هم الذين إذا ذكروا اللّه بقلوبهم وجلت قلوبهم ؛ أي : خضعت وخافت ورقت قلوبهم ؛ أي : فزعوا لعظمته وسلطانه ، أو لوعده ووعيده ، ومحاسبته لخلقه ، والآية بمعنى قوله :
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
35 . فإن قلت : إنّه سبحانه وتعالى قال في هذه الآية :
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
بمعنى خافت ، وقال في آية أخرى
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
، فكيف الجمع بينهما ؟ . قلت : لا منافاة بين هاتين الحالتين ؛ لأن الوجل هو خوف العقاب ، والاطمئنان إنما يكون من ثلج اليقين ، وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد ، وهذا مقام الخوف والرجاء ، وقد جمعا في آية واحدة ، وهي قوله سبحانه وتعالى :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
والمعنى : تقشعر جلودهم من خوف عقاب اللّه ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر اللّه ، ورجاء ثوابه ، وهذا حاصل في قلب المؤمنين . والثانية : ما ذكره بقوله :
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ
؛ أي : وإذا قرأت عليهم آيات القرآن المنزلة على خاتم أنبيائه صلى اللّه عليه وسلّم
زادَتْهُمْ إِيماناً
؛ أي : زادتهم تصديقا ويقينا في الإيمان ، وقوة في الاطمئنان ، ونشاطا في الأعمال ؛ لأنّ تظاهر الأدلة ، وتعاضد الحجج يوجد زيادة اليقين ، فإبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليه كان مؤمنا بإحياء اللّه الموتى حين دعا ربه أن يريه كيف يحييها ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من