التفسير بالمأثور روايات كثيرة في شأنه كما ذكرنا في مبحث أسباب النزول ، وبالجملة فهذه الروايات الإسرائيلية لا يعتد بها ، وليست بحجة في بيانه .
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ
؛ أي : من يوفقه اللّه تعالى لسلوك سبيل الهداية باستعماله عقله وحواسه فيما خلقا له ، بمقتضى الفطرة وإرشاد الدين
فَهُوَ الْمُهْتَدِي
الذي شكر نعم اللّه عليه ، وأدى حقه عليه ، ففاز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة ، وفي « 1 » « السمين » :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي
راعى لفظ
مَنْ
فأفرد ، وراعى معناها في قوله :
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
فجمع ، وياء
الْمُهْتَدِي
ثابتة عند جميع القراء لثبوتها في الرسم ، وسيأتي لك خلاف في التي في الإسراء والكهف ، وبحثها ، وقال الواحدي :
فَهُوَ الْمُهْتَدِي
يجوز إثبات الياء فيه على الأصل ، ويجوز حذفها استخفافا اه .
وَمَنْ يُضْلِلْ
؛ أي : ومن يخذله ويحرمه التوفيق ، فيتبع شيطانه وهواه ، ويترك استعمال عقله وحواسه في فقه آياته ، وشكر ما أنعم به عليه
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
؛ أي : فهو الكفور الضال ، الذي خسر سعادة الدنيا وسعادة الآخرة إذ هو قد خسر تلك المواهب التي كان بها إنسانا مستعدا للسعادتين الدنيوية والأخروية ؛ أي :
فَأُولئِكَ
الموصوفون بالضلالة
هُمُ الْخاسِرُونَ
أي : الكاملون في الخسران في الدنيا والآخرة ، فالهداية والضلالة من جهة اللّه تعالى ، وإنما العظة والتذكير من جهة الوسائط العادية في حصول الاهتداء ، من غير تأثير لها فيه سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره جهة تحصيله ، كسائر أفعال العباد . ولا شك أن الهداية الإلهية نوع واحد وهو الإيمان الذي ثمرته العمل الصالح ، أما أنواع الضلال فلا حصر لها ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ثم فصل سبحانه ما أجمله في الآية السالفة مع بيان سببه فقال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
؛ أي : وعزتي وجلالي لقد خلقنا في العالم
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ
هامش
( 1 ) الفتوحات .