ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا
وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
؛ أي : وما أنتم في ذلك إلا تكذبون على اللّه تعالى ؛ أي : أنكم لستم على شيء من العلم ، بل ما تتبعون في عقائدكم وآرائكم في الدين والعمل به إلا الحدس والتخمين الذي لا يستقر عنده حكم .
وبعد أن نفى عنهم درجات العلم . . أثبت لذاته الحجة البالغة التي لا تعلوها حجة ، فقال :
قُلْ
يا محمد لهؤلاء المشركين إن لم تكن لكم حجة
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
؛ أي : الواضحة التي تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشك عمن نظر فيها ؛ وهي إرسال الرسل وإنزال الكتب .
والمعنى :
قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين بعد تعجيزك إياهم عن أن يأتوا بأدنى دليل أو قول يرقى إلى أضعف درجة من العلم : إن لم يكن عندكم علم في أمر دينكم . . فإن للّه وحده أعلى درجات العلم ، وله الحجة البالغة على ما أراد من إحقاق الحق وإزهاق الباطل بما بينه في هذه السورة وغيرها من الآيات البينات على أصول العقائد ، وقواعد التشريع الموافقة للعقول الحكيمة والفطر السليمة ، وسننه في الاجتماع البشري ، ولا يهتدي بهذه الآيات إلا المستعد للهداية المحب للحق الحريص على طلبه الذي يستمع القول فيتبع أحسنه دون من أعرض عن النظر فيها استكبارا عنها ، وحسدا للمبلغ الذي جاء بها وجمودا على تقليد الآباء واتباع الرؤساء
فَلَوْ شاءَ
سبحانه وتعالى هدايتكم جميعا إلى الحجة البالغة
لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
ولكن لم يشأ هداية الكل بل هداية البعض .
أو المعنى : ولو شاء سبحانه وتعالى أن يهديكم بغير هذه الطريق التي أقام أمر البشر عليها ؛ وهي التعليم والإرشاد بطريق النظر والاستدلال . . لهداكم أجمعين ، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة المفطورين على الحق والخير جل شأنه . وفيه دليل على أن اللّه سبحانه وتعالى لم يشأ إيمان الكافر ، ولو شاء هدايته لهداه :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 )
. ونحو هذه الآية قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
وقوله :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
وقوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي